حرِّروا الرغيف
قد يستفيد قطاع الخبز في سوريا من تحرّر تدريجي للسوق
استياء مزارعي القمح في مختلف أنحاء سوريا بسبب أسعار القمح التي حدّدتها الحكومة. عبّر عدد منهم في حديث مع «سوريا المتجدّدة» عن ضرورة تحرّر قطاعات القمح والطحين والخبز بشكل تدريجي، بما يوفّر حوافز أفضل للمنتجين، ويعزز الإنتاجية، ويدعم الأمن الغذائي في سوريا.
أسبوع آخر، واحتجاج آخر، وتراجع حكومي آخر. هذه المرة لم يكن المحتجون من سائقي سيارات الأجرة أو المعلمين، بل كانت الاحتجاجات من المزارعين. بدأ الخلاف بإعلان وزارة الاقتصاد عن سعر شراء القمح لهذا العام: 330 دولاراً للطن. ووفقاً للعديد من المزارعين، لم يكن هذا المبلغ كافياً لتغطية تكاليف البذور والأسمدة والمبيدات والري والنقل وإيجار الأرض. كما تم تحديد السعر بالليرة السورية التي تشهد انخفاضاً تدريجياً في قيمتها (تجاوزت قيمتها، وقت كتابة هذا التقرير، 13800 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي). ومما زاد الأمر سوءاً أن المزارعين كانوا يتوقعون محصولاً وفيراً بعد هطول أمطار غزيرة، وفرصةً لتحقيق ربح معقول. ويمثل هذا الخلاف اختباراً لمدى قدرة السوق الحرة الجديد في سوريا على الصمود أمام التعامل مع أكثر سلع البلاد حساسية سياسياً.
لعبة الأسعار
في الرقة، نُظِّمت احتجاجات أمام مكتب المحافظ، وهدّد البعض بحجب شحنات القمح عن المؤسسة العامة للحبوب الحكومية. وفي درعا، نشر اتحاد المزارعين رسالة غاضبة تحذر من «استياء وغضب شديدين» وتحثّ على إعادة النظر فوراً في الوضع الراهن. وقال العديد من المزارعين إن القمح قد يخسر في العام المقبل أمام الكمّون والكزبرة ومحاصيل أخرى ذات عوائد سوقية أفضل.
ثم جاء الفرج بتدخل الرئيس أحمد الشرع والمرسوم رقم 120 الصادر في 24 مايو، والذي منح المزارعين مكافأة قدرها 80 دولاراً إضافياً للطن الواحد من القمح المُسلّم إلى المؤسسة العامة للحبوب، وإن كانت هذه المكافأة مُحددة بالعملة السورية المتقهقرة، وبعد ثلاثة أشهر من التسليم. وقد سبق لحكومات عهد الأسد أن استخدمت التوجيهات الرئاسية ومكافآت عند التسليم لإجبار المزارعين على ضخ القمح في القنوات الحكومية. ولطالما كان الحفاظ على أسعار الخبز في متناول الجميع من أهم وظائف الدولة السورية.
ما يختلف الآن هو أن سوريا لديها حكومة مؤيدة لاقتصاد السوق الحر، ومع ذلك فهي لا تزال تتبع سياسة زراعية موروثة من حقبة الاشتراكية البائدة. ويعدّ تثبيت سعر الشراء الثابت بمثابة دعم للمزارعين، ويكلف الدولة ما يصل إلى 900 مليون دولار سنوياً. ومع ذلك، حتى مع سعر 400 دولار للطن بعد المكافأة الرئاسية، لا يزال العديد من المزارعين يعيشون على الكفاف، وبالكاد قادرين على سداد ديونهم وغير قادرين على الاستثمار بجدية في المعدات أو توسيع الإنتاج. للمقارنة، يحصل المزارعون في العراق على 540 دولاراً للطن، ولديهم تكاليف طاقة أقل بكثير.
في الواقع، تطلب هذه الحكومة، مثل سابقاتها، من المنتجين الريفيين «التضحية من أجل المصلحة العامة» بقبول سعر منخفض باستمرار لقمحهم مقارنة بتكلفة الإنتاج، وذلك للحفاظ على سعر الخبز منخفضاً للمستهلكين في المدن ولخزينة الدولة.
المشكلة هي أن الخبز لم يعد رخيصاً كما كان. يبلغ سعر حزمة من عشرة أرغفة من المخابز الحكومية - التي يقل وزنها الآن عن كيلوغرام واحد، بعد أن كان 1.2 كيلوغرام قبل شهر واحد فقط - حوالي 0.33 دولار، ولا يزال يتطلب الانتظار في طابور، وغالباً ما تكون جودتها مشكوكاً فيها. أما الحزمة نفسها من المخابز الخاصة فتُباع بسعر 0.44 دولار. وبهذه الأسعار، يبدو الادعاء بأن المزارعين مضطرون لقبول أسعار القمح المنخفضة للحفاظ على أسعار الخبز في متناول الجميع غير مقنع. ثمة خلل ما في سلسلة التوريد بين الحقل والمطحنة والمخبز والمستهلك.
خطة خمسية
تشير الأبحاث الميدانية التي أجرتها «سوريا المتجدّدة» إلى أن الحل ليس في فتح سوق حرة للقمح فجأة، فهذا من شأنه أن يعرّض صغار المزارعين للخطر ويزعزع استقرار إمدادات الخبز. ما تحتاجه سوريا، كما يقول المزارعون، هو إصلاحات تحريرية تدريجية على مدى خمس سنوات، تبدأ بالزراعة وتمتد لتشمل طحن الدقيق وإنتاج الخبز.
يجب أن تكون المرحلة الأولى هي الشفافية والحماية. ينبغي على الحكومة هذا العام نشر معادلة لتكلفة إنتاج القمح الخشن واللين، وتشمل البذور والأسمدة والطاقة والري والعمالة وإيجار الأرض والحصاد والنقل وهامش ربح معقول. كما يجب أن تراعي هذه المعادلة الاختلافات بين المناطق البعلية والأراضي المروية ومناطق السهوب وحوض الفرات. إن تحديد سعر وطني موحّد يخفي واقعاً شديد التباين.
في العام المقبل، ينبغي على الدولة تحديد حد أدنى مضمون للسعر. ستبقى الحكومة كمشتر نهائي لحماية المزارعين من الانهيار وتأمين الاحتياطيات الاستراتيجية. ولكن ينبغي السماح للمشترين من القطاع الخاص المرخص لهم بدخول السوق وشراء كميات متزايدة بأسعار أعلى من ذلك السعر، مما يتيح للمزارعين سبيلاً لتحقيق عوائد أفضل دون إقصاء الدولة من السوق.
وقد أفاد مزارعون لـ«سوريا المتجدّدة» أن المرحلة الثانية يجب أن تكون منافسة مُنظَّمة. وعندها في السنة الثالثة ينبغي إخضاع المطاحن الخاصة ومصانع المعكرونة والتعاونيات والتجار الأفراد لنظام شراء مُنظَّم وشفاف. ستستمر الدولة في الشراء للاحتياطيات، لكنها لن تحتاج بعد الآن إلى استيعاب المحصول بأكمله. ينبغي تشجيع المزارعين الذين لا يستطيعون إنتاج القمح بأسعار تنافسية على تجربة زراعة محاصيل أخرى أكثر ربحية.
أما المرحلة الثالثة، بحسب مصادر في القطاع الزراعي، فستتمثل في الدعم المباشر واقتصاد خبز أكثر انفتاحاً. وعندها في السنة الرابعة ينبغي أن يتكوّن الدعم الزراعي بالكامل تقريباً من دعم الإنتاج المباشر. يمكن للحكومة والحكومات المانحة الراغبة في مساعدة سوريا على إعادة بناء اقتصادها أن تدعم المزارعين من خلال خفض تكاليفهم: البذور المدعومة، وبرامج الائتمان، والري بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأنظمة ترشيد استهلاك المياه الحديثة. وعندها سيحتاج المزارع الذي ينفق أقل إلى تدخل سعري أقل عند الحصاد.
بحلول السنة الخامسة، ينبغي أن تسعى سوريا إلى اقتصاد قمح مختلط. ستحتفظ الدولة بالإشراف على الجودة والمنافسة وحماية المستهلك. وسيحتفظ النظام أيضاً بدورٍ حاسم في حماية المزارعين السوريين من الواردات الرخيصة، ولن يسمح بدخول القمح الأجنبي إلى السوق إلا عند توقّع نقص محلي أو الحاجة إلى تعزيز المخزونات الاستراتيجية. مع ذلك، ينبغي أن تكون ضوابط الاستيراد قائمة على قواعد محددة لا على أرقام تقديرية، وإلا فإنها ستخلق ببساطة مجالاً جديداً للتجار المفضّلين. في الوقت نفسه، سيبيع المزارعون منتجاتهم بشكل أساسي من خلال التعاونيات أو القنوات الخاصة.
وحثّت مصادر لـ«سوريا المتجدّدة» أن يمتد التحرير التدريجي للسوق إلى ما هو أبعد من مجرد عمليات الشراء، ليشمل هيكل صناعة الخبز نفسه. وينبغي أن يشمل ذلك توسيع نطاق تراخيص الطحن الخاصة، وبيع معظم المخابز المملوكة للدولة إلى مشغلين من القطاع الخاص من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط إجراءات افتتاح مخابز خاصة جديدة. كما ينبغي أن تتمكن شريحة أوسع من المشغلين من القطاع الخاص من شراء الدقيق من خلال قنوات شفافة، إما مباشرة من المزارعين أو من خلال شركات زراعية وسيطة تزود المخابز بشروط تجارية.
التحرير الاقتصادي الصحيح
وقد أكّدت مصادر موثوقة أن قطاع الخبز ظلّ لفترة طويلة أداةً في يد البيروقراطية، مُصرّين على أن الدولة ليست مُلزمة بخَبز الخبز لضمان قدرة السوريين على شرائه. إن إخفاء تكلفة الخبز الرخيص ضمن السعر المنخفض المُستمر الذي يُدفع للمزارعين أمرٌ غير عادل ومُضرّ. ينبغي على الحكومة بدلاً من ذلك إنشاء سوق لامركزية تنتقل فيها أسعار القمح والدقيق والخبز بشفافية أكبر على امتداد سلسلة التوريد، مع حماية المستهلكين من خلال دعم مُوجّه للفئات الأكثر احتياجاً وسياسة مُنافسة عادلة.
يُمكن لبرنامج كهذا، يمتد لخمس سنوات، أن يُمكّن المزارعين السوريين من الوصول إلى مستوى يُضاهي نظرائهم الأتراك. يبلغ سعر القمح الأساسي الذي حددته هيئة الحبوب التركية 350 دولاراً للطن، وهو نفس النطاق السعري في سوريا قبل إضافة الحوافز. لكن المزارعين الأتراك يعملون ضمن بنية تحتية أكثر تطوراً وتنافسية في مجالات الطحن والتخزين والائتمان والتسويق، وهذا الفرق لا يقل أهمية عن السعر المعلن.
قد تكون إنشاء وترميم الفنادق الفخمة والمطارات الراقية أكثر جاذبية للحكومة، لكن عليها، إن كانت جادة بشأن إصلاحات السوق الحرة، أن تبدأ بترتيب اوضاع ذلك الرغيف المتواضع.