شيطنة الدرزي
لن تفلح محاولات التعامل مع السويداء بالأساليب الأمنية فقط
تُجسّد السويداء العديد من التحديات الرئيسية التي تواجه سوريا، وكلها تجتمع في حيز جغرافي ضيق للغاية: لامركزية الحكم، والعلاقات مع الأقليات، وتضارب روايات الضحايا، وانعدام المساءلة والعدالة الانتقالية، وشبكات اقتصاد الحرب، إضافة إلى التدخل الإسرائيلي. لا يقتصر أي من هذه التحديات على تلك المحافظة وحدها. وقد تُشكّل طريقة التعامل معها في السويداء مؤشراً هاماً على مستقبل سوريا.
بعد مرور عام تقريباً على محاولة الحكومة المركزية فرض سيطرتها بالقوة على محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وما تبعها من مجازر وانتهاكات جسيمة ارتُكبت بحق السكان، لا تُبدي حكومة دمشق نية واضحة لتحمّل المسؤولية. بل على العكس، تتجنب وسائل الإعلام والمحللون الموالون للحكومة النقاش الجاد بشأنها، ويصوّرون حكمت الهجري وأنصاره على أنهم شر محض، ويصفون رفض الدروز الواسع لسلطة الحكومة المركزية كتهديد أمني عابر للحدود. وينظر إلى السويداء على أنها نظام استبدادي يحكمه الهجري، وأن تلك المحافظة تعاني من الفوضى، وتسيطر عليه عصابات إجرامية يديرها أباطرة المخدرات، وكلها تجتمع تحت راية «الحرس الوطني»، والذي يهيمن عليه «بقايا النظام». وهكذا، يُصوَّر الهجري وأنصاره في آنٍ واحد على أنهم صهاينة و«أسديون»، يتآمرون مع إسرائيل لتقويض التغيير والوحدة في سوريا.
تيار باشان
بالطبع، هناك بعض الحقيقة في هذا التصوير. فقد سعى الهجري وأتباعه إلى فرض إجماع رافض للعلاقات مع الحكومة المركزية، مُروِّجين لفكرة الانفصال، ومُعيدين تسمية المنطقة «جبل باشان» - في إشارة إلى المنطقة التوراتية التي تضم أجزاءً من جنوب سوريا. ولا شك أن هذا الرمز ليس من قبيل الصدفة، فهو يُشير إلى فكرة التحالف مع إسرائيل التي يتبناها الهجري وأنصاره علناً، مما يماثل حالة التماهي الوثيق بين الكثير من الدروز الإسرائيليين والدولة الإسرائيلية.
على الرغم من أن بعض مؤيدي الهجري يصورون «باشان» على أنها اسم تاريخي قديم للسويداء، إلا أن أحد أعضاء «قوات أبو إبراهيم كوماندوز» الموالية للهجري صرح لمجلة «سوريا المتجددة» بأن الاسم في الواقع جديد في الخطاب السياسي الدرزي المحلي، واصفاً التحول بوضوح: «كنا ننتمي لسوريا منذ زمن طويل، والآن أصبحنا جبل باشان». ومع ذلك، فإن قياس تغلغل تيار باشان بين الدروز ومدى اعتباره مشروعاً انفصالياً حقيقياً ما زال خاضعاً للنقاش. فبينما أيّد الهجري الانفصال علانية، يعبّر العديد من مؤيدي الحكم الذاتي الدرزي عنه كردة فعل وتجسيداً لشعور عميق بالاغتراب عن الحكومة الحالية. وبشكل عام، لا يزال الكثيرون يعبرون عن رغبتهم في البقاء جزءاً من الدولة السورية التي يستطيع الدروز العيش فيها بأمان وبمساواة كمواطنين.
توحيد الصفوف
لكن تجد الأصوات المحلية المطالبة ببقاء السويداء جزءاً من سوريا صعوبة متزايدة في التعبير علناً عن معارضتها لحركة «باشان». وقد أشار إلى ذلك مصدر في فصيل رجال الكرامة - وهو فصيل درزيّ كان منفتحاً سابقاً على التفاوض مع الحكومة، لكنه انحاز رسمياً إلى «الحرس الوطني» بعد المجازر- وناشط سابق شارك في حركة السويداء الاحتجاجية المناهضة للأسد خلال الفترة 2023-2024. وأكد كلاهما أن إعلان معارضة هذا الموقف الرافض ينطوي على مخاطر جسيمة. وبالفعل، يُشير التدقيق في خطاب زعيم رجال الكرامة، مزيد خداج، إلى أنه لا يؤيد الانفصال عن سوريا أو إعادة تسمية المنطقة بـ«باشان»، حتى مع رفضه للتعامل مع الحكومة السورية بدمشق. وقد دفع هذا بعض أنصاره الهجريين المتشددين إلى اتهامه بالخيانة. كما سُجلت حالات تعذيب وقتل لأشخاص اتُهموا بالتعاون مع حكومة دمشق.
بل يطعن الكثير في مزاعم مؤيدي الهجري بأن «الحرس الوطني» يمثل قوة موحدة حقيقية. فرغم أن بعض الجماعات المكونة له قد تبنت أرقام ألوية وكتائب، إلا أن هذه المسميات لا تدل على بناء جيش نظامي متماسك، تماماً كما لم تشير أرقام الفيالق والألوية على ذلك بالنسبة لـ«الجيش الوطني السوري» المدعوم من تركيا أو قوات الحشد الشعبي العراقية. فعلى سبيل المثال، يوحي تشكيل «اللواء 104» داخل الحرس الوطني، ظاهرياً، بأن رجال الكرامة قد تم استيعابهم بالكامل في هيكل عسكري موحد. ومع ذلك، أكد المصدر المذكور آنفاً أن اللواء لا يضم الحركة بأكملها، وأن هذا الاندماج قائم على الورق فقط.
وأشار أيضاً إلى أن أعضاء رجال الكرامة يتلقون الأموال والأسلحة والإمدادات من مصادر متعددة، وليس من الحرس الوطني وداعميه الإسرائيليين والدروز من المغتربين في الخليج فقط. في الواقع، لا تزال الانقسامات الفصائلية سمةً بارزةً على أرض الواقع، حتى وإن كانت معظم الجماعات الدرزية المسلحة متحدةً في معارضتها لحكومة دمشق. ومن المرجح أيضاً أن بعض الفصائل تستخدم خطاب الدفاع عن «باشان» غطاءً لأنشطة إجرامية، بما في ذلك إنتاج المخدرات والاتجار بها.
إجماعٌ قائمٌ على الخوف
مع ذلك، ثمة فرقٌ بين النقاش الدقيق والهادئ لهذه المشاكل وبين الخطاب الذي تتبناه الأصوات الموالية للحكومة في الداخل والخارج، والذي ينحرف بشكلٍ متزايدٍ نحو المبالغة ويبدو حريصاً على حشد الدعم لحملةٍ عسكريةٍ جديدة. يُشابه الوضع في السويداء إلى حدٍ ما الإجماع الواسع الرافض لـ«المصالحات» الذي كان سائداً في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة قبل سقوط نظام الأسد. هناك أيضاً، فضّل العديد العودة إلى كنف النظام لأسبابٍ مختلفة؛ إلا أن المصالحة رُفضت على نطاقٍ واسعٍ بسبب المجازر والتهجير الجماعي الذي ارتكبه نظامٌ لم يُبدِ أي ندمٍ أو اهتمامٍ بالمساءلة. وقد تم نبذ أو اعتقال من اتُهموا بالتعاون مع النظام البائد.
في السويداء، لا يزال الغضب والصدمة الناجمان عن المجازر شديدين. فقد ولّدت هذه الأحداث شعوراً مشتركاً بين الدروز، من خلفيات سياسية متباينة، بأنهم لا يستطيعون التماهي مع حكومة ارتكبت قواتها مجازر بحق أفراد من طائفتهم على أساس طائفي، واحتلت عشرات القرى في شمال وغرب المحافظة، وأحرقت ونهبت المنازل والأضرحة. وفي الوقت نفسه، تتواصل الانتهاكات ضد الدروز في مناطق أخرى من سوريا، مما يعزز الاعتقاد بأن الحكومة إما غير راغبة أو غير قادرة على توفير الحماية. وتشمل هذه الحوادث تخريب ضريح درزي قرب الزبداني في أبريل/نيسان، ومؤخراً، اختطاف عائلة درزية في دمشق، يُقال إنه انتقاماً من قيام «الحرس الوطني» باحتجاز سائق يُزعم انتماؤه للجيش السوري وتورطه في مجازر يوليو/تموز.
حجج مغلوطة
إلى جانب الاتهامات بالانحياز لإسرائيل، عادةً ما يطرح المؤيدون للحكومة حجتين إضافيتين. الأولى هي أن «بقايا النظام» - أي أعضاء سابقين في الجيش والأمن التابعين لنظام الأسد - يشغلون مناصب رئيسية في الحرس الوطني. مع ذلك، يجب التأكيد على أنهم لا يسعون لإحياء نظام الأسد. فشخصيات مثل طلال عامر، الرائد السابق في الفرقة الرابعة، والمتحدث الحالي باسم الحرس الوطني، يدعون صراحةً إلى الانفصال عن سوريا والتحالف مع إسرائيل، وهو أمر كان مرفوضاً في أيديولوجية الأسد. أما التفسير الأكثر منطقية لحجة «بقايا النظام» فهو أن شخصيات النظام السابق وجدت «ملاذاً آمناً» في السويداء، مما يسمح لها بالإفلات من المساءلة. وهذا مصدر قلقٍ مشروع، ولكنه ليس حكراً على السويداء. فقد وجدت شخصيات النظام السابق الحماية والقدرة على إعادة الاندماج في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك داخل مؤسسات الدولة والأوساط العسكرية المرتبطة بالسلطات الحالية. إن اختزال القضية في السويداء وحدها، واستخدام مشكلة بنيوية تؤثر على سوريا ككل لتشويه صورة أحد أطراف نزاع بالغ التعقيد، لا يُسهم في تحقيق أي تقدم حقيقي نحو العدالة الانتقالية.
أما الحجة الثانية، التي اشتدت وتيرتها في الأشهر الأخيرة، فتتمثل في أن السويداء لم تعد ملاذاً آمناً لبقايا النظام فحسب، بل أصبحت أيضاً مركزاً لشبكات الكبتاغون الواسعة التي عملت تحت إشراف نظام الأسد. إلا أن هذه الرواية تتجاهل حقيقة أن جميع طرق الوصول إلى السويداء تخضع لسيطرة دمشق. وبما أن المواد الخام اللازمة لإنتاج الكبتاغون تأتي من خارج المحافظة، فإن تجارة الكبتاغون وإنتاجه تمتد بوضوح إلى ما هو أبعد من السويداء وبعض الفصائل الدرزية. وقد أفادت وسائل الإعلام الرسمية مؤخراً بمصادرة 25 مليون حبة كبتاغون في محافظة حمص، يُزعم أنها كانت مُعدة للتصدير عبر الموانئ البحرية السورية. وهنا أيضاً، يُسهم تركيز المشاكل البنيوية التي تُعاني منها سوريا بأكملها على السويداء فقط في منح الحكومة المركزية مظهرا يفيض بالشرعية والاستقامة السياسية التي تفتقر إليها سلطات الأمر الواقع في السويداء. وهذا تأطير مدمر يحجب الأبعاد الوطنية الأوسع للمشكلة. بل إن هذا الخطاب لا يعزز - بالنسبة لسكان السويداء - إلا الانطباع بأن مؤيدي الحكومة لم يعودوا يعتبرونهم جزءاً من سوريا، بل خونة ومجرمين.
الاستراتيجية طويلة الأمد
يبدو أن دمشق اتخذت استراتيجية طويلة الأمد تجاه السويداء. ففي الوقت الراهن، تبدو الحكومة متردّدة في شن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد الحرس الوطني الذي تفوقه عدداً، خشية تجدّد الهجمات الإسرائيلية. كما أن خطوط المواجهة شبه متجمدة، على الرغم من وقوع اشتباكات متقطعة، تتضمن أحياناً استخدام القوات الحكومية للطائرات المسيرة. في غضون ذلك، يبدو أن دمشق تراهن على أن سكان السويداء سيُصابون في نهاية المطاف بالإرهاق من الانقسامات المحلية والعزلة عن مؤسسات الدولة المركزية، وينأون بأنفسهم عن تيار «باشان» تدريجياً. من المرجح أيضاً أن تأمل الحكومة في أن تتغير الأوضاع الإقليمية والدولية بما يكفي لقبول إسرائيل إعادة دمج الدروز رسمياً في ظل حكومة الرئيس أحمد الشرع. وكما قال مصدر من رجال الكرامة متشكك في مشروع الهجري: «الحكومة تلعب لعبة طويلة الأمد، وسوف ينهار المشروع تدريجياً حتى ينتهي تماماً».