المنطق الكامن وراء هذا الجنون
استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط ليست بدعاً من الأمر، ولربما يكتب لها النجاح
يصف البعض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنها متسرعة وفوضوية، بل وغير عقلانية، وأنها حرب قد خسرتها الولايات المتحدة بالفعل. قد يجذب هذا الرأي الكثير لكنه يتجاهل منطقاً مدروساً شكّل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال قرابة العقديين الماضيين، فالصراع الحالي في الخليج ليست قطيعة مع استراتيجية أمريكية سابقة مختلفة، بل هو استمرار لها بالفعل، وإن كانت بوسائل أشد قسوة.
في عام ٢٠١١، صرّحت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون، في مجلة «فورين بوليسي» بأن «مستقبل السياسة سيُحسم في آسيا، لا في أفغانستان أو العراق». أوضح هذا التصريح ما سيُعرف لاحقاً بـ «الانتقال» وهو مسار أمريكي طويل الأمد للحدّ من التدخل المفرط في الشرق الأوسط وتوجيه الاهتمام نحو الصين. ترسخ هذا الانتقال في عهد ترامب في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعلنة لعام ٢٠١٧. واستمر هذا التحول في عهد جو بايدن بعبارات أكثر مرونة مثل «الاستثمار، والتنسيق، والمنافسة».
وبغضّ النظر عن المصطلحات التسويقية، فقد ظلت الفرضية الأساسية ثابتة، وهي تقليل تكاليف التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط مع الحفاظ على نظام إقليمي مستدام يتمحور حول الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة.
إلا أن أي انسحاب فعلي للقوات يتطلب حل مشكلتين مزمنتين بالنسبة لواشنطن، أو على الأقل احتواءهما. الأولى هي موقف إسرائيل في المنطقة وعدم الاستقرار المستمر الناجم عن عدم حل القضية الفلسطينية العالقة. والثانية هي طموحات إيران النووية، وقدرتها على بسط نفوذها في المنطقة عبر محور يضم حزب الله، وحماس، والميليشيات العراقية والحوثيين وسوريا الأسدية.
استراحة بايدن
شارك ترامب في ذلك التحول من خلال تسريعه. فبينما اعتقد أوباما أن الدبلوماسية قادرة على تهدئة إيران والحفاظ على إمكانية تحقيق حلم الدولتين، خلص ترامب إلى عكس ذلك، وتمحورت ولايته الأولى حول «ممارسة أقصى الضغوط» على إيران، والانسحاب من الاتفاق النووي، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، التابع للحرس الثوري، وسمح بالتوغل التركي في سوريا عام ٢٠١٩، وحملة الاغتيالات التي شنتها تركيا ضد القادة الأكراد الذين كانوا (اسمياً) حلفاء للولايات المتحدة. كما تقرب من ولي العهد السعودي، وفي الوقت نفسه دافع عن اتفاقيات أبراهام التي سعت إلى تطبيع مكانة إسرائيل في محيطها، وتجاوز بذلك القضية الفلسطينية، ولربما حاول القضاء عليها.
أوقفت سنوات بايدن عملية إعادة هندسة الشرق الأوسط. انسحبت واشنطن من أفغانستان، وأعادت فتح القنوات الدبلوماسية مع طهران، واعتمدت لهجة أكثر انضباطاً معهاً. ومع ذلك، توصلت الجهات الفاعلة الإقليمية إلى نفس الاستنتاج، وهو أن أمريكا تريد الانسحاب.
صعود الثلاثي الإقليمي
لقد راهن ترامب فعلياً في وقت مبكر على ثلاثة رجال أقوياء إقليميين قادرين على فرض النظام نيابة عن الولايات المتحدة، وهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
إذا نجح رهان ترامب -وربما يكون قد نجح جزئياً- فستكون النتيجة شرق أوسط مُدار ذاتياً بإشراف ثلاث قوى مهيمنة: السعودية وتركيا وإسرائيل. إنها رؤية سياسية واقعية لا تترك مجالاً يُذكر للمُثل العليا المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ونتيجة لذلك، تصرفت إسرائيل بطريقة عسكرية أكثر حزماً بشكل ملحوظ، وقاتلت عبر مسارح عمليات متعددة بثقة متزايدة. وعادت تركيا لتبرز كفاعل دبلوماسي وأمني محوري، لا سيما بعد انهيار نظام الأسد في سوريا ونجاح أنقرة في ترسيخ نفوذها هناك. أما السعودية، فقد رسخت مكانتها كالقوة العربية الأكثر هيمنة في الإقليم، ورعت إعادة دمج سوريا في الجوار العربي، وأثّرت في النقاشات الدائرة حول غزة ولبنان وإيران، ولعبت دوراً متزايداً كـ «شقيق أكبر» يفرض إرادته على شؤون دول الخليج.
يُفسّر هذا المنطق الكثير من سلوك واشنطن الأخير. فهو يشرح سياسة الباب المفتوح تجاه القيادة السورية الجديدة رغم القلق بشأن ماضيها الجهادي، ونكوص الاهتمام الأمريكي بحماية شركائها الأكراد في سوريا والعراق، كما أيضاً لامبالاة واشنطن تجاه العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان وجنوب سوريا والضفة الغربية.
قد يُفسّر ذلك أيضاً استعداد ترمب للتفاوض مع إيران، وربما حتى العمل على إنقاذها. فتركيا والسعودية تمتلكان خصوماتهما الخاصة مع طهران، ولا ترغب أيٌّ منهما برؤيتها تمتلك سلاحاً نووياً. لكنهما أوضحتا أيضاً لواشنطن أن تفكك إيران أو انهيارها ليس في مصلحتهما. إضعاف الذراع الإقليمية الإيرانية عبر تفكيك «محور المقاومة» أمر مرحّب به، أما انهيار الدولة الإيرانية نفسها فمسألة مختلفة تماماً. فاستقرار المنطقة - وكذلك بقاء مضيق هرمز مفتوحاً - يتطلب احتواء إيران لا تدميرها. والمفارقة أن ترمب قد يكون يوظّف التهديد الإيراني كورقة ضغط لدفع السعودية نحو الانضمام إلى «اتفاقات إبراهيم»، بما يرسّخ موقع إسرائيل داخل المنطقة ويقرّب أضلاع هذا الثلاثي الإقليمي من بعضها البعض.
التواصل والتجارة الإقليميان
كما أن منطق الثلاثية الإقليمية يدعم مشاريع البنية التحتية والربط الطموحة في الإقليم. فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المدعوم من إسرائيل، وطريق التنمية العراقي في تركيا، والعديد من مشاريع السكك الحديدية وخطوط أنابيب الطاقة والألياف الضوئية في المملكة العربية السعودية، كلها أدوات جيوسياسية تهدف إلى ترسيخ مناطق النفوذ من خلال التجارة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
من نواحٍ عديدة، تُعدّ هذه المشاريع بمثابة كتيبات استراتيجية براقة تُنتجها الثلاثية الإقليمية، حيث يسعى كل عضو فيها إلى إقناع واشنطن بمساراته وموانئه وسككه الحديدية وأفضلية جغرافيته السياسية. ويُقدّم كل مشروع منها لأمريكا الوعد نفسه، ألا وهو التكامل والاستقرار الإقليميان دون إثقال كاهل أمريكا بأعباء باهظة، وبالطبع «ازدهار الاقتصادي موعود».
لكن الكتيبات البراقة ليست سوى مجرد دعايات. لا تزال الممرات التجارية تواجه تحديات الإرهاب، والدول الضعيفة المجاورة، والنزاعات العالقة. كما أن القوى الثلاث المتوقّع منها إدارة الشرق الأوسط الجديد ليسوا بالشركاء الطبيعيين. فإسرائيل وتركيا والسعودية قد تشترك في مصلحة الحد من نفوذ إيران، لكنها تتنافس أيضاً على النفوذ في سوريا والعراق ولبنان وشرق المتوسط والبحر الأحمر. وتُعدّ مشاريع الربط هذه، جزئياً، محاولات متنافسة للهيمنة، مما قد يخلق دوامة جديدة من عدم الاستقرار.
التهديدات والفرص
عندما أشار المبعوث الأمريكي توم باراك في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الأخير إلى أن المنطقة «تحترم شيئاً واحداً هو القوة»، كان ببساطة يصف بعبارات جليّة المبدأ التنظيمي للنظام الجديد
وهذا يعني أن الدول الصغيرة ستضطر إلى تحديد مع من ستتحالف وكيف. ففي مواجهة عدو قريب كالسعودية، انحازت الإمارات إلى إسرائيل. وتواجه سوريا خطر الوقوع تحت سيطرة أنقرة والرياض، لذا اتجهت هي الأخرى إلى إسرائيل عبر الإمارات. وقد تضطر دول أصغر أخرى كالأردن والكويت وقطر إلى اختيار جانب واحد أو أكثر، أو، كما هو الحال مع سوريا، إلى إقامة علاقات صداقة مع الأطراف الثلاثة.
وعلى الرغم من ضعفه، يتيح النظام الإقليمي الناشئ فرصاً لسوريا. فما جعلها ساحة معركة مثالية يجعلها أيضاً بوابة استراتيجية في حال توصلت الأطراف الثلاثة الإقليمية إلى اتفاق: شمالاً إلى تركيا، وجنوباً إلى السعودية، وغرباً إلى البحر الأبيض المتوسط، وربما حتى إلى طرق التجارة العربية الإسرائيلية مستقبلاً. ويمكن أن يمنح الربط، إذا ما أُدير بحكمة، دمشق نفوذاً، ويعزز تفكير القيادة الجديدة بإعادة سوريا إلى بؤرة تلاقي المصالح الإقليمية والعالمية.
إن تطور سوريا ما بعد الأسد هو، من نواحٍ عديدة، نتاج ثانوي لرغبة أمريكا طويلة الأمد في الخروج من الشرق الأوسط، وهي عملية قام ترامب بتسريعها من خلال إلقاء المسؤولية على عاتق الزعماء الإقليميين الأقوياء وتشجيع السياسات النفعية.
في ظل هذه كله، لم يكن من المفاجئ أن يُدعى الرئيس أحمد الشرع إلى فرنسا لحضور اجتماع مجموعة السبع هذا العام، أو أن يصرّح مسؤول سوري لوكالة رويترز قائلاً أن مشاركة بلاده في المحادثات ستركز على الأرجح على دورها كـ«مركز استراتيجي محتمل لسلاسل التوريد» بعد إغلاق مضيق هرمز.