تَتبُّع الفلوس اللي عليكو
اعتقال حسان عقاد والخطوط الحمراء الجديدة في سوريا
أثار اعتقال الصحفي البريطاني السوري البارز حسان عقاد غضباً شعبياً واسعاً، ونقاشاً أوسع حول حدود حرية التعبير في النظام السياسي السوري الناشئ. ويُظهر إطلاق سراحه لاحقاً أنّ الضغط الشعبي لا يزال مؤثراً في سوريا اليوم. إلا أن النقاش الأوسع حول حدود حرية التعبير - الذي لا تزال الديمقراطيات الغربية تخوض غماره أيضاً - لم يبدأ إلا مؤخراً.
في الأشهر التي أعقبت سقوط نظام الأسد، وعدت الحكومة الانتقالية السورية ببلدٍ تُصان فيه حرية التعبير، بل وكرّستها في المادة 13 من دستورها. احتفت وزارة الإعلام السورية بحماسٍ بتقدم البلاد في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة العالمية، وأنتجت مقاطع فيديو دعائية تُظهر سهولة الوصول إلى سوريا مقارنةً بعهد الأسد. ورغم بعض المؤشرات المقلقة، كمنع الصحفيين الأجانب من الوصول إلى الساحل خلال مجازر مارس/آذار 2025، فقد كان هناك إجماع واسع على أن البلاد تشهد انفتاحاً غير مسبوق لحرية التعبير. إلا أن القلق المشترك بين الصحفيين والإعلاميين والمواطنين السوريين على حدٍ سواء كان يتمحور حول عدم وضوح حدود حرية التعبير، إن وُجدت أصلاً.
يبدو أن اعتقال الصحفي حسان عقاد في 17 مايو/أيار قد قدم إجابة، ولو جزئياً. فقد اشتهر عقاد في بدايات شهرته بلقب «وزير السياحة السوري»، وحازت مقاطع الفيديو الساخرة التي كان ينشرها حول غرائب المجتمع السوري على إعجاب رواد الإنترنت. ومع مرور الوقت، اتجه محتواه نحو النشاط العلني. وفي 24 فبراير/شباط، نشر مقطع فيديو ضمن سلسلته الجديدة «الإنجليزية مع حسان»، مستخدماً تجار الحرب، بمن فيهم محمد حمشو، لشرح مصطلح «العدالة النفعية».
يقول وهو يختتم حديثه: «قد يظن المرء أن هؤلاء الرجال الثلاثة يجب أن يكونوا في السجن، لكنهم ليسوا كذلك. لقد دفعوا بعض المال، وتنازلوا عن بعض ممتلكاتهم، والآن بإمكانهم العمل في سوريا بكل حرية». كان يشير إلى التسوية المالية التي أبرمها حمشو مع الحكومة الانتقالية السورية في يناير/كانون الثاني 2026، والتي بموجبها صودرت أصول تُقدّر قيمتها بنحو 800 مليون دولار مقابل المصالحة.
كان محمد حمشو يُعرف بـ«ملك الأنقاض» لسرقته الحديد من المنازل في الأحياء المدمرة. كما عُرف بأنه واجهة اقتصادية رئيسية للفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد. ولا يزال حتى اليوم خاضعاً للعقوبات من قبل الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
هاتوا الفلوس اللي عليكو
مع إطلاق حملته «هاتوا الفلوس اللي عليكو»، انتقد عقاد بأسلوب ساخر شخصيات عامة لم تسدد بعد التبرعات التي تعهدت بها في حملات جمع تبرعات ضخمة أُقيمت قبل بضعة أشهر. وكان من بين الذين استهدفهم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، ومستشار وزير الرياضة والشباب، فؤاد سيد عيسى. وقد رحب كلاهما بالمبادرة وسددا مستحقاتهما.
كانت نقطة التحول، بحسب فريق حسان عقاد، عندما بدأت الحملة تستهدف صراحةً محمد حمشو والشركات التابعة له. وقد سُوّي وضع حمشو مع الحكومة الجديدة ضمن برنامج إفصاح طوعي، في إطار لجنة مكافحة المكاسب غير المشروعة المُنشأة حديثاً. ورغم شيوع التسويات الاقتصادية خلال التحولات السياسية - كما هو الحال في كولومبيا - إلا أنّ الخط الفاصل يصبح غير واضح عندما يبدو أن المتورطين في الجرائم لديهم فرصة للإفلات من العقاب. وقد وُجهت انتقادات إلى «لجنة الكسب غير المشروع» لافتقارها إلى الشفافية. وأثارت السرعة التي سُوّيت بها قضية حمشو، إلى جانب المعلومات العامة المحدودة حول الأصول المصادرة منه، غضب السوريين الذين ينظرون إلى حمشو كركيزة اقتصادية دعمت نظام الأسد.
منذ البداية، انتقد عقاد أحمد وعمرو حمشو، نجلي محمد حمشو، لعدم وفائهما بتعهدهما بتقديم مليون دولار لإعادة الإعمار بعد أن استقرت أوضاع عائلتهما وبدأت في تحسين صورتها العامة. وفي آخر فيديو نشره عقاد قبل إعلانه عن استدعائه من قبل إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية ووزارة الإعلام، احتفى بانسحاب شركة التكنولوجيا الصينية «أوبو» من صفقة مع شركة «إتسل» السورية المملوكة لعائلة حمشو. وكان قد حثّ المستهلكين سابقاً على مقاطعة شركة المشروبات الغازية الألمانية «سينالكو»، التي تملك عائلة حمشو عملياتها في سوريا.
إن الصلة الواضحة بين انتقادات عقاد وظروف اعتقاله تثير تساؤلاً حول مدى التسامح مع الانتقادات في سوريا الجديدة عندما تُوجَّه إلى ذوي النفوذ، لا سيما الأثرياء منهم، وليس بالضرورة إلى الشخصيات السياسية. والجدير بالذكر أن فيديوهات عقاد انتقدت سابقاً الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه لعدم دفعه الأموال التي تعهد بها علناً، دون أن يواجه أي عواقب. ولذا، تُجسِّد قضيته التفاعل المعقّد بين الثروة والنفوذ السياسي والولاءات المُتصوَّرة في سوريا ما بعد الأسد. كما تُسلِّط الضوء على غموض سياسات الحكومة لإعادة الإعمار والمصالحة في وقت تتزايد فيه المطالبات الشعبية بالشفافية.
حتى الآن، الشكوى الوحيدة المعروفة ضد عقاد هي تلك التي قدمها موسى العمر، رجل الأعمال والإعلامي المقرب من القيادة السورية. مع ذلك، لاحظ عقاد منذ اليوم الأول لتقديم الشكوى أن الفريق القانوني لحمشو يراقب نشاطه على الإنترنت. وعندما استُدعي إلى إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية في دمشق، أفاد فريقه القانوني أنهم وجدوا أنفسهم أمام محامٍ يمثل شركة الاستثمار الصناعي المتحدة - وهو اسم آخر للشركة السورية المشغّلة لشبكة سينالكو. جاء ذلك عقب عروض تسوية غير رسمية من أفراد عرّفوا أنفسهم كممثلين لمحمد حمشو، رفضها عقاد جميعها، رافضاً مقابلة أي شخص مرتبط برجل الأعمال. وفي 23 يونيو، أوضح فريقه علناً أنهم يسعون للحصول على 2.1 مليون دولار أمريكي فيما يتعلق بتعهدات قدمها أبناء حمشو وشركة فندق ومنتجع يعفور، وهي شركة أخرى مرتبطة بالعائلة.
نشر عقاد أيضاً مقطع فيديو لاجتماعه مع الرئيس التنفيذي لشركة سينالكو، مما أثار مخاوف بشأن احتمال إلغاء عقدهم مع حمشو أيضاً. ووفقاً لفريقه، تمت معالجة الشكوى ضد عقاد «بسرعة غير معتادة» - في غضون يومين فقط - بينما تستغرق العملية عادةً حوالي أسبوعين. وفي مقابلة مع قناة «سوريا» الإخبارية، أوضح محامي عقاد، أمجد صوان، أن هناك شكويين أمام إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، لكنه امتنع عن الكشف عن هوية مقدمي الشكوى. ووفقاً لفريق عقاد، فإن كلتا الشكويين صادرتان عن شركتين تابعتين لحمشو: شركة الاستثمار الصناعي المتحدة وشركة ريتجينو المساهمة.
بعد إطلاق سراحه، صرّح عقاد بأن النيابة العامة رفضت صراحةً إصدار شهادة سجل جنائي له، قائلةً له ببساطة: «لأنك حسان عقاد». إذا صحّ هذا، فإنه يشير إلى أنه عُومِلَ كحالة استثنائية نظراً لشهرته العامة واستعداده لتحدّي السلطة. كما علمت «سوريا المتجدّدة» أن المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يُشكّلون جزءاً هاماً من المشهد الإعلامي السوري، قد تلقوا تعليمات بعدم التعليق علناً على قضية عقاد.
قانون الجرائم الإلكترونية السوري لعام 2022
في بيان مصوّر، أوضح حسام خطاب، النائب العام السوري، أن عقاد اتُهم من قِبَل موسى العمر بالتشهير والقذف الإلكتروني. وقد اعتُقل بموجب قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد الأسد عام ٢٠١٢، والذي استُخدم لفترة طويلة لقمع المعارضة وتقييد حرية التعبير على الإنترنت. وتم توسيع نطاق القانون عام ٢٠٢٢، ليشمل التعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات أشد على جرائم مثل التشهير أو المساس بهيبة الدولة.
من اللافت للنظر كيف اختارت السلطات، في بلدٍ مُنهكٍ بسنواتٍ من الحرب، ومثقلٍ بقضايا العدالة الانتقالية العالقة، تسريعَ قضية حسان عقاد ومنحها الأولوية على غيرها. وفي الأسبوع نفسه، شهدت سوريا أعمال شغب وعنفٍ جماعيّ نابعٍ من الإحباط إزاء غياب العدالة الانتقالية. ورغم إمكانية القول بأن هذه القضايا تندرج ضمن اختصاص محاكم العدالة الانتقالية، فإن خطاب الكراهية والحملات الطائفية الإلكترونية التي رافقت تلك الأحداث تُعدّ، وفقاً للتفسيرات الصارمة لقانون الجرائم الإلكترونية، انتهاكاتٍ أيضاً. ومع ذلك، لم يُتخذ سوى القليل من الإجراءات.
علاوة على ذلك، وكما أوضح النائب العام نفسه، أُحيلت القضية إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، المكلّفة بالتحقيق في الادعاءات التي تتطلب تحليلاً تقنياً أو جنائياً. ولم تندرج مقاطع الفيديو الخاصة بعقاد ضمن هذا التصنيف. ووفقاً لمحامٍ استشارته «سوريا المتجدّدة» فإن هذه القضية تعكس ممارسة مألوفة في ظل نظام الأسد: تقييد المعارضة مع الإصرار على وجود حرية التعبير، شريطة أن يبقى التعبير «ضمن حدود القانون».
ليست قضية عقاد حالةً معزولة، فقد واجه ناشطون آخرون دعاوى تشهير. ففي الثاني من يونيو/حزيران، اعتُقل ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب، اللذان كانا قد ناضلا من أجل إلغاء المرسوم 66 - وهو قانون آخر من قوانين عهد الأسد - بناءً على شكوى من محافظ دمشق بتهمة التشهير. وتتزايد وتيرة لجوء السلطات الجديدة إلى استخدام الأحكام القانونية التي كان يستخدمها نظام الأسد ضد الناشطين والمعارضين.
في ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتُقل الصحفي الأمريكي بلال عبد الكريم، الذي قضى معظم فترة الحرب في إدلب، بعد أن ازدادت تغطيته انتقاداً لعلاقة الرئيس أحمد الشرع مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، لم ترد أي معلومات جديدة عن اعتقاله، وهو في الواقع مُختفٍ قسراً. ويُعدّ التناقض بين الاستنكار الدولي لاعتقال عقاد والصمت النسبي المحيط باحتجاز الكريم دالاً، إذ يعكس ظهور فضاء عام سوري جديد ذي صلات دولية، كان غائباً إلى حد كبير في ظل حكومة الإنقاذ في إدلب. ويحافظ العديد من الصحفيين والناشطين وشخصيات المجتمع المدني الآن على روابط وثيقة مع وسائل الإعلام الدولية والحكومات ومنظمات المناصرة الدولية، مما يجعل الاعتقالات السرية أكثر تكلفة بكثير مما كانت عليه في السابق.
إعادة النظر في القانون
عقب إطلاق سراح عقاد، أعلنت وزارة العدل عن تشكيل لجان لمراجعة عدد من القوانين، بما فيها قانون الجرائم الإلكترونية، مؤكدةً التزامها بحماية الحريات العامة. وقد لاقى هذا الإعلان ترحيباً واسعاً باعتباره مؤشراً على استجابة الحكومة للمخاوف العامة المشروعة. وبحلول نهاية يونيو، أعلنت الوزارة أيضاً عن تغييرات إجرائية في التعامل مع شكاوى الجرائم الإلكترونية، تنص على أن تُحال معظم القضايا مباشرةً إلى المحاكم بدلاً من الشرطة، وأن يتم استخدام أوامر التفتيش والاحتجاز قبل المحاكمة بشكل أقل.
إلا أن هذا لا ينفي وجود نمط أوسع نطاقاً يتمثل في توسع سيطرة الدولة على حرية التعبير والتجمع. فبعد المظاهرات التي شهدتها دمشق في أوائل يونيو/حزيران، والتي طالبت بسيادة القانون، أصدرت وزارة الداخلية لوائح جديدة تشترط الحصول على ترخيص مسبق للاحتجاجات العامة: إذ يتعين الآن على لجنة مؤلفة من ثلاثة منظمين على الأقل تقديم طلب للحصول على تصريح، وقد يستغرق البت فيه ما يصل إلى خمسة أيام، وهو ما يحظر فعلياً المظاهرات العفوية.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعليمات للمنظمات غير الحكومية بالاستمرار في الامتثال للقانون رقم 93، وهو قانونٌ آخر من عهد الأسد يشترط الحصول على موافقة الحكومة قبل تلقي أي تمويل أجنبي. ومؤخراً، أعلنت وزارة الإعلام عن ستة قيود جديدة على النشر والإعلام، بما في ذلك حظر المواد التي تُعتبر ضارةً بالآداب العامة أو بالاقتصاد الوطني. تشير هذه القوانين واللوائح والتوجيهات الإدارية مجتمعةً إلى بيئةٍ تزداد تقييداً للصحفيين والناشطين ومنظمات المجتمع المدني على حدٍ سواء. في الوقت نفسه، يُظهر الإفراج عن عقاد أن الضغط الشعبي لا يزال له تأثيرٌ في سوريا اليوم. ويبدو أن النظام السياسي الناشئ غير راغب، وربما غير قادر تماماً، على قمع المعارضة على غرار نظام الأسد. ويبقى السؤال مطروحاً: هل يعكس ذلك خياراً سياسياً أم قيداً سياسياً؟
إن مسألة تحديد حدود حرية التعبير المشروعة وبداية التحريض غير القانوني ليست حكراً على سوريا. فالديمقراطيات الغربية أيضاً لا تزال تواجه تحديات الملاحقة القضائية بسبب الخطاب المسيء على الإنترنت. لكن في سوريا، حيث لا تزال النقاشات حول المساءلة والبحث عن الحقيقة والمصالحة محورية في المرحلة الانتقالية، فإن تحديد هذه الحدود سيكون له عواقب وخيمة. لذا، لا بد من تعميق هذا النقاش. ولتحقيق ذلك، يجب أن يكون عدد كبير من السوريين على استعداد لدعم حرية التعبير كمبدأ أساسي، بغض النظر عمن يُعنى به هذا التعبير.