© syriaintransition.com

Cover image
الديناميكيات المحلية

تفاهمات ما بعد الحرب

يجد الأكراد والتركمان في سوريا أرضية مشتركة في دمشق حيث يسعون إلى مزيد من النفوذ والتمثيل والحقوق

كان من المستحيل قبل فترة وجيزة عقد لقاء ودي بين القائدين الكردي والتركماني، سيبان حمو وفهيم عيسى. فقد كان الرجلان عدوين لدودين، قضيا سنوات يقاتلان في صفوف متقابلة في الحرب السورية. إلا أنهما في أبريل/نيسان الماضي، جلسا معاً، في خطوةٍ تُشير إلى تقارب أوسع بين اثنتين من الأقليات السورية. ولا يزال هذا التحول غير مفهوم جيداً لدى عامة الأكراد والتركمان، حتى مع سعي النخب السياسية والعسكرية من كلا المجتمعين إليه بحذر.

لقد تقاتلوا فيما بينهم لسنوات. واليوم، يشغلون منصب نائبي وزير الدفاع في الحكومة السورية نفسها. يمثل فهيم عيسى التركمان في القوات المسلحة السورية، وهو مسؤول عن شمال البلاد ذي الأغلبية العربية. أما سيبان حمو، فيمثل الأكراد في سوريا، ويشرف على شرق البلاد ذي الأغلبية العربية أيضاً. وقد شكّل اجتماعهما في أبريل/نيسان تحولاً ملحوظاً في العلاقات بين هاتين المجموعتين اللتين قضتا معظم فترة الصراع السوري على طرفي نقيض.

يتجلى هذا التقارب أيضاً على المستوى المحلي. فقد احتجّ مدنيون أكراد مؤخراً على استخدام الحكومة للاسم الرسمي «عين العرب» للمدينة التي يسمونها كوباني. وفي الأسبوع نفسه، اعترض التركمان السوريون على استخدام الاسم الرسمي «تل حمام» لمدينة حمام تركمان التركمانية. فبعد سنوات من العداء المتبادل، باتت الطائفتان تُطالبان دمشق بمطالب مماثلة.

قال عبد الرحمن مصطفى، رئيس مجلس التركمان السوري وعضو مجلس الشعب السوري الجديد، لمجلة «سوريا المتجدّدة»: «منفتحون أمام التعاون مع الأكراد. لدينا مصالح مشتركة في 80% من أجندتنا. أما الـ 20% المتبقية فكانت تتعلق بالطموحات الانفصالية، لكن هذا الاختلاف يتلاشى الآن مع التحول الذي يشهده المشهد السياسي الكردي السوري».

المظالم السابقة

سلك كل من فهيم عيسى وسيبان حمو مسارين مختلفين تماماً للوصول إلى نفس المنصب في الحكومة.

كان عيسى، وهو تركماني من حلب، من أوائل قادة المعارضة الذين حملوا السلاح ضد نظام الأسد. وشكّل فصيل السلطان مراد تحت راية الجيش السوري الحر. وبعد سقوط الأسد، كان عيسى ضمن تحالف المعارضة الذي عيّن أحمد الشرع رئيساً لسوريا.

أما حمو، وهو كردي من حلب، فهو شخصية بارزة في وحدات حماية الشعب (YPG)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK). وتدرّج في صفوف وحدات حماية الشعب التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية. وبعد اتفاقية الاندماج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، عُيّن حمو نائباً لوزير الدفاع.

كان لقاؤهما في أبريل/نيسان لافتاً للنظر، إذ أمضى الرجلان سنواتٍ يقاتلان في صفوفٍ متقابلة في بعضٍ من أشرس معارك شمال سوريا. ففي عام 2016، قطعت قوات حمو، بدعمٍ من القوات الجوية الروسية، طريق الإمداد الرئيسي الذي كان يستخدمه عيسى وفصائل المعارضة الأخرى إلى حلب. وبعد عامين، كان عيسى من بين أبرز قادة المعارضة الذين استولوا على عفرين بدعمٍ تركي، بينما أشرف حمو على الدفاع عن المنطقة. وصف عيسى حمو بالإرهابي، بينما وصف حمو عيسى بالمرتزق.

وقد عكست عداوتهم الشخصية صراعات أعمق بين المجتمعات التي يمثلونها.

كان التركمان السوريون ينظرون إلى أنفسهم عموماً كحلفاء طبيعيين لتركيا. كما كانوا الأقلية العرقية الوحيدة التي دعمت منظماتها السياسية والعسكرية الرئيسية المعارضة السورية طوال فترة الانتفاضة. لعب التركمان دوراً هاماً في الكفاح السياسي والمسلح ضد الأسد، ودفعوا ثمناً باهظاً. فقد أُخليت المناطق ذات الأغلبية التركمانية في شمال اللاذقية، ولا سيما جبال التركمان، على يد قوات النظام والميليشيات المدعومة من إيران والغارات الجوية الروسية.

عندما تدخلت تركيا عسكرياً في شمال سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية ووحدات حماية الشعب الكردية عام 2016، انضم العديد من المقاتلين التركمان إلى العملية بشكل تلقائي. كما شاركوا في الحملات المدعومة من تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية والتي يقودها الأكراد عامي 2018 و2019. ومع مرور الوقت، ازداد نفوذهم داخل صفوف المعارضة المسلحة. وبحلول وقت الإطاحة بالأسد، كان التركمان السوريون يقودون فرقاً عسكرية عديدة، منها فرقة السلطان مراد، وفرقة السلطان محمد الفاتح، وكتيبة جبل الإسلام، وفرقة الحمزة، ولواء الوقاص، وفرقة الساحل الثانية، وفرقة منتصر بالله، وفرقة ملك شاه.

في غضون ذلك، سلك الأكراد السوريون مسارات سياسية وعسكرية مختلفة. انضم بعضهم إلى جماعات متمردة مثل الجبهة الشامية وهيئة تحرير الشام وأحرار الشام. وشكّل آخرون قوات البيشمركة، التي بقيت في معظمها في المنفى في كردستان العراق. وكانت وحدات حماية الشعب (YPG) أكبر قوة عسكرية كردية، والتي اعتبرتها تركيا والعديد من فصائل المعارضة السورية الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK).

قاتل بعض الأكراد إلى جانب الثوار التركمان والعرب ضد كل من الأسد ووحدات حماية الشعب الكردية. ومع ذلك، ظلت القوة المسلحة الكردية الرئيسية أحد أعداء الفصائل التركمانية الرئيسيين، ولا يضاهيها في ذلك إلا نظام الأسد.

امتدّ الانقسام إلى صفوف المعارضة السياسية. فعندما أيّدت تركيا ضمّ الأحزاب الكردية السورية المقرّبة من الحزب الديمقراطي الكردستاني في كردستان العراق إلى الائتلاف الوطني السوري، عارض ممثلو التركمان هذه الخطوة. وحتى بعد انضمام المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف، استمرّ السياسيون التركمان في اتهامه بالسعي إلى حكم ذاتي في سوريا. من جانبه، لم يثق المجلس الوطني الكردي بممثلي التركمان، واعتبرهم أدواتٍ في يد أجندة خارجية، لا فاعلين سوريين مستقلّين.

فجر عصر جديد

في يونيو/حزيران 2026، نظمت الجمعية التركمانية السورية مؤتمراً في دمشق لمناقشة حقوق الأقليات والمطالب السياسية لمختلف الطوائف السورية. ودُعي ممثلون عن الطوائف الكردية والسريانية والآشورية والشركسية والإسماعيلية والمسيحية، وجلسوا في الصفوف الأمامية.

ضم الوفد الكردي إبراهيم بيرو من المجلس الوطني الكردي، والأكثر إثارة للدهشة، الدكتور عبد السلام الأحمد من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. ولم يحظى لقاء بين كبار ممثلي الأكراد والتركمان باهتمام يُذكر، وهو الذي كان في السابق أمراً لا يُتصور.

وقد انبثق هذا التقارب من الحقائق السياسية التي خلقها سقوط الأسد؛ فكلا الأكراد والتركمان السوريون يواجهون الآن العديد من التحديات المماثلة في تعاملاتهم مع دمشق.

طالب كلا المجتمعين بتعيين مسؤولين محليين من أبنائهم. فعلى سبيل المثال، احتج التركمان على تعيين مسؤول عربي في مدينة الراعي ذات الأغلبية التركمانية. وفي تلك الحالة، رضخت دمشق، لكن المخاوف من الهيمنة العربية لا تزال قائمة. ويتحدث كل من التركمان والأكراد لغات غير العربية، ويسعون إلى تمثيلهم في الجهاز البيروقراطي للدولة، فضلاً عن ضمانات لحقوقهم الثقافية واللغوية.

حصل الأكراد على اعتراف رسمي بحقوقهم الثقافية واللغوية بموجب مرسوم رئاسي صدر في يناير/كانون الثاني 2026. ولم يحصل التركمان على أي إجراء مماثل. ومع ذلك، يطالب كلا المجتمعين بحماية حقوقهما في الدستور الجديد، كما يدعمان تغيير الاسم الرسمي للبلاد من الجمهورية العربية السورية إلى الجمهورية السورية.

تُشكّل التركيبة السكانية تحدياً إضافياً. فالتركمان منتشرون في مناطق متفرقة من سوريا، ولا يشغلون سوى سبعة مقاعد في مجلس الشعب الجديد المؤلف من 210 أعضاء. أما الأكراد، فيتركزون في عدد أقل من المناطق، ويشغلون عشرة مقاعد. ولا تملك أيٌّ من المجموعتين، بمفردها، تمثيلاً كافياً للتأثير بشكلٍ ملموس على صياغة الدستور السوري. وقد يُتيح تحالف برلماني بين ممثلي الأقليات لهم نفوذاً أكبر.

تتشكل حسابات مماثلة داخل القوات المسلحة. يشكّل العرب السنة الكتلة المهيمنة في الجيش السوري الجديد، بينما يمثل التركمان السنة والأكراد السنة الأقليات الوحيدة الممثلة بأعداد كبيرة.

وبحسب قائد تركماني يخدم في الجيش السوري، تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويته، بدأ قادة قوات سوريا الديمقراطية الذين يخضعون لعملية دمج في صفوف الجيش بالتواصل مع الضباط التركمان. ويهدفون من ذلك إلى خلق ثقل موازن للهيمنة العربية داخل المؤسسة العسكرية.

تحالف جديد؟

يحمل الأكراد والتركمان تاريخاً طويلاً من الخلافات المتبادلة، ولطالما شكّلت النزعة الانفصالية الكردية المُتصوَّرة ونفوذ حزب العمال الكردستاني في سوريا، والذي يتعارض مع مصالح تركيا وحلفائها، المصادر الرئيسية للخلاف. وقد بدأ اتفاق الاندماج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في تركيا، في تغيير هذه الحسابات. فالشخصيات الكردية التي كانت تؤيّد الانفصال في السابق، تُقلّص تدريجياً من طموحاتها. في المقابل، أصبح القادة التركمان أكثر استعداداً للتواصل مع الجهات الكردية التي كانوا يصنفونها سابقاً كإرهابيين.

لا يزال مسار هذه العلاقة الناشئة غير واضح. وقد تؤدي المقاومة داخل كلا المجتمعين إلى إبطاء التقارب. كما أن التطوّرات الخارجية، بما في ذلك احتمال انهيار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني كجزء من عملية السلام الأوسع، قد تضع حداً مفاجئاً لها.

في الوقت الراهن، يقدم القادة التركمان السوريون للأكراد والأقليات الأخرى اقتراحاً واضحاً: وهو توحيد مصالحهم المشتركة وتأسيس كتلة سياسية أقوى في دمشق، وذلك للوقوف بشكل جماعي ضد الهيمنة العربية.

يعتقد التركمان أنهم في وضعٍ يؤهلهم لقيادة مثل هذا التحالف. فقد لعبت فصائلهم دوراً بارزاً في الثورة، وأقامت علاقات وثيقة مع النخبة الحاكمة الجديدة. كما أنهم يحظون بدعم تركيا، التي لا تزال تتمتع بنفوذ كبير في سوريا.

يُقدّم الأكراد مجموعة مختلفة من المزايا. ويتعزز موقفهم من خلال اتفاقية دمج قوات سوريا الديمقراطية، والمرسوم الرئاسي الصادر عن أحمد الشرع بشأن حقوق الأكراد، وعلاقاتهم طويلة الأمد مع العواصم الغربية.

خلال الحرب، كان التركمان والأكراد في سوريا على طرفي نقيض. أما الآن، فإن الصراع على النفوذ والتمثيل والحماية الدستورية في سوريا الجديدة يدفع نخبهم نحو التقارب.

العودة إلى الأعلى

مقالات أخرى في هذا العدد

السياسة والسلطة
ما يعتقده السوريون حقاً
دروس مستفادة من 2700 مقابلة حول الخوف وخيبة الأمل والرأي العام بعد الأسد
الديناميكيات المحلية
حكمة تدمرية
كيف حولّت إحدى المدن الغضب من شبيحة الأسد إلى تجربة محلية في العدالة الانتقالية
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
تَتبُّع الفلوس اللي عليكو
اعتقال حسان عقاد والخطوط الحمراء الجديدة في سوريا
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
من الذي ينبغي له أن يحتفظ بالأدلة المتعلقة بسوريا؟
لماذا ينبغي لـــ «الآلية الدولية المحايدة والمستقلة» أن تتوسط في نقل وثائق النزاعات إلى المؤسسات الوطنية
الديناميكيات المحلية
صعوبات الاندماج
في ظل استمرار المفاوضات الغامضة بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية، تعيش مدينة القامشلي في ظل سلطات متوازية ودعم متقلص، وعدم يقين متزايد بشأن من سيؤول له حكم المدينة
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
خارطة طريق نحو ماذا؟
الاتحاد الأوروبي يُعيد تشكيل علاقته بالمجتمع المدني السوري
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
من يخشى المواطن المستقل؟
الصراع السياسي حول المدارس في سوريا

الديناميكيات المحلية

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية