© syriaintransition.com

Cover image
السياسة والسلطة

ما يعتقده السوريون حقاً

دروس مستفادة من 2700 مقابلة حول الخوف وخيبة الأمل والرأي العام بعد الأسد

تبدو استطلاعات الرأي في سوريا أشبه بصندوق شوكولا، إذ أنك لا تعرف ما ستجده فيه. وقد تبدو مسلية، كما حدث عندما رفع جدٌ يده أمام أحد مسؤولي الاستطلاع، وبطريقة ديمقراطية غريبة، دعا جميع أصدقائه للمشاركة في الاستطلاع كتصويت جماعي. وقد تكون مُشجّعة، عندما يُبدي الناس حماساً واضحاً للتعبير عن آرائهم السياسية علناً بعد عقود من تجاهلهم. وقد تكون مُرعبة أيضاً، عندما يندلع تبادل لإطلاق النار فجأة في الشارع ويُواصل الشخص الذي يُجرى معه الاستطلاع الإجابة على الاستبيان بهدوء ودون اكتراث واضح.

في سوريا الأسد، حيث كان الالتزام العلني بالآراء المفروضة يُعتبر دليلاً على الولاء، كان رصد الرأي العام ونشره بصدق يُعدّ خطيئة كبرى. يُعدّ «استطلاع سوريا» Syria Poll، الذي انطلق في فبراير 2026، أول محاولة لإجراء استطلاع رأي عام دوري لجمهور واسع، يرصد آراء السوريين حول السياسة والمجتمع والاقتصاد. لم يكن ذلك ممكناً إلا بعد سقوط الأسد. لكن جدار الخوف الذي بناه نظامه لا يزال قائماً. لا يزال العديد من السوريين يخشون ما يُسمى بـ«الآذان الخفية» رغم تفكيك جهاز المخابرات. أحياناً يكون الأمر واضحاً جداً، مثلاً عندما ينصرف الناس فوراً عند طرح أسئلة سياسية. وأحياناً يكون الأمر أكثر تعقيداً، وربما أكثر ضرراً بمصداقية النتائج، مثلاً عندما يُجيب المستجيبون على أسئلة بطريقة يعتقدون أنها متوقعة منهم. وفي بعض الأحيان، يُؤثر الولاء السياسي أو الطائفي على الإجابات بشكل واسع. قد ينتقد الشخص السلطات بشدة قبل بدء المقابلة، ثم يبدأ في مدحها بمجرد بدء الاستبيان، لأنه، كما يشرح البعض صراحةً، «لا يريدون منح مؤيدي الأسد أي ذريعة». إنه إرث استبدادي سيستغرق وقتاً - وتجارب جديدة من الثقة والأمان - للتغلب عليه.

ما وراء الأرقام

يُعدّ إجراء استطلاع رأي دوري خلال هذه المرحلة الانتقالية مشروعاً بحثياً قائماً بذاته. إذ تكشف عملية استطلاع آراء الناس في الشارع الكثير عن الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا، ولا سيما كيفية تشكّل الرأي العام والتعبير عنه، بل وإخفائه في بيئات النزاع وما بعد النزاع. توجد طرق استطلاع رأي مُعتمدة مُصممة للحدّ من آثار الخوف والرقابة الذاتية، على سبيل المثال، من خلال طرح أسئلة حساسة بطريقة غير مباشرة أو إخفاء إجابات المستجيبين الفردية مع القدرة على تحديد الأنماط الأوسع في الرأي العام. ومع ذلك، فإن جميع هذه الطرق تعتمد في نهاية المطاف على قدر أساسي من الثقة: أن القائم بالمقابلة ليس مُخبراً، وأنه لا أحد يتنصّت، وأن التعامل مع مُجري الاستطلاع لن يُؤدي إلى عواقب سلبية. ومن المفهوم أن العديد من السوريين لا يملكون هذه الثقة. يُدرك علماء الاجتماع جيداً حدود أبحاث المسح، ولكن يبدو أن استطلاعات الرأي تُقدّم أيضاً شيئاً لا تُنتجه العلوم الاجتماعية عادةً: أرقاماً دقيقة. أما بالنسبة للتخصصات التي تُعاني أحياناً من نوع من عقدة النقص تجاه العلوم الطبيعية -«العلوم الحقيقية» التي تُنتج بيانات ملموسة بدلاً من وجهات نظر مُتنافسة- يُمكن أن تكون نتائج استطلاعات الرأي مُغرية بشكل خاص.

تُعدّ نتائج استطلاعات الرأي جذابةً للغاية لأنها تُحوّل المواقف المعقدة إلى أرقام تبدو دقيقة. فخارج نطاق البحث الأكاديمي، تُستخدم بيانات استطلاعات الرأي من قِبل المسؤولين الحكوميين، والحملات السياسية، ومنظمات المناصرة، والشركات. وعادةً ما يرغب كلٌّ من العملاء والجمهور في الحصول على إجابات واضحة. إلا أن الأرقام قد تُخفي بقدر ما تُظهر: فغالباً ما يكون من غير المؤكد ما إذا كان المستجيبون قد فهموا السؤال كما هو مُراد، ولماذا اختاروا إجابةً دون أخرى، وما إذا كانوا يشعرون بالراحة في التعبير عما يفكرون فيه حقاً. وحتى مع اتباع منهجية دقيقة ونوايا حسنة، فإن إنتاج بيانات استطلاعية تمثيلية وقابلة للتفسير أمرٌ صعب. ولهذا السبب، يُكمّل «استطلاع سوريا» بحثه من خلال مناقشات دورية في مجموعات نقاش مركزة.

في استطلاع يونيو، طُرح سؤال حول ما إذا كان ينبغي للمدارس السورية تدريس القيم الديمقراطية. لم يكن العديد من المشاركين على دراية بمصطلح «الديمقراطية» أو كانت لديهم مفاهيم مختلفة تماماً عنه. تساءلت إحدى السيدات على الفور، بنبرة استياء، عما إذا كان هذا يعني أن ابنها سيبدأ بعصيان والديه في المنزل. وفي الاستطلاع نفسه، سألنا عما إذا كانت الحكومة قد تعاملت بشكل جيد مع دمج قوات سوريا الديمقراطية، مع توفير خيارات الإجابة «نعم» و «لا» و «لا أعرف». أوضحت كل من المقابلات الشخصية وجلسة النقاش المركزة أن الكثيرين فهموا «لا أعرف» على أنها تعني افتقارهم إلى معلومات كافية حول ما يحدث في شمال شرق سوريا، وليس أنهم على دراية بما يحدث لكنهم لم يُكوّنوا رأياً بعد. وهنا يأتي دور مناقشة هذه التفاصيل في جلسات نقاش مركزة، وهي تساعدنا على تحسين طريقة طرح الأسئلة، والأهم من ذلك، تفسير الإجابات.

نطاق تردّدي محدود

والجدير بالذكر أن نقص المعلومات حول التطورات في شمال شرق سوريا لم يُثر قلق الناس كثيراً. ويعود ذلك إلى حدّ كبير إلى محدودية اهتمامهم بالسياسة التي لا تبدو ذات صلة مباشرة بظروفهم الاقتصادية الصعبة. خلال الموجة الأولى من استطلاع الرأي السوري في فبراير، كان التفاؤل بشأن الحكومة ومسار البلاد مرتفعاً، حيث قال 63% إن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. وقد زادت الرواتب مؤخراً، واستقرت العملة، وتوقع الكثيرون أن تُحوّل القيادة السورية الجديدة البلاد إلى «سويسرا العالم العربي» في غضون أشهر. كان الناس متحمسين للحديث. ولكن بحلول موجتي أبريل ويونيو، تغير الوضع. ارتفعت أسعار الكهرباء بشكل كبير، وانتشر نقص الغاز في جميع أنحاء البلاد، وبدأت الثقة في التزام الحكومة بالعدالة الانتقالية بالتآكل بعد أن أفلت رجل الأعمال محمد حمشو، المرتبط بعائلة الأسد، وقائد الميليشيا السابق فادي صقر، من المساءلة. وأدى تزايد الإحباط والضغوط الاقتصادية إلى انخفاض رغبة المشاركين في المقابلات ومجموعات النقاش في الخوض في القضايا السياسية. إن الحماس السابق بشأن القدرة على التحدث بصراحة عن السياسة قد أفسح المجال تدريجياً للسخرية، وهي آلية تكيّف راسخة.

يتجلى الإحباط بشكل خاص بين المشاركين في الاستطلاع الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً. فقد أعرب الكثيرون عن رغبتهم في الهجرة، وأبدوا اهتماماً ضئيلاً بالمسائل السياسية، مركزين بدلاً من ذلك على إيجاد مستقبل يتجاوز ما يعتبرونه بشكل متزايد قضية خاسرة في بلادهم. وفي ظل الصعوبات الاقتصادية، يميل اهتمام الناس بالسياسة إلى الانحسار نحو القضايا المباشرة المتعلقة بالكهرباء والوقود والوظائف والخدمات الأساسية. وهذا أمر مثير للقلق سياسياً. فإذا أصبح توفير الخدمات الأساسية المعيار الرئيسي الذي تُقاس به الحكومات، فسيكون لدى من هم في السلطة مجال أوسع لتهميش قضايا حقوق الإنسان والمساءلة والمشاركة السياسية. وعندما سألنا المشاركين في الاستطلاع في يونيو/حزيران عن مجلس الشعب - البرلمان السوري - لم يكن الكثيرون على دراية بوجوده أصلاً. ولم يعتقد سوى 10% منهم أنه سيؤثر فعلياً على قرارات الحكومة.

ومع ذلك، لا يمكن إسكات المطالب بالكرامة والعدالة التي تُشكّل أساس القضايا السياسية تماماً. خلال إحدى جلسات النقاش، قال شاب يعيش في فقر إنه لا يريد الكهرباء، بل يريد إحراز تقدم في العدالة الانتقالية حتى يتمكن أخيراً من امتلاك قبرٍ يُرثي فيه أقاربه الذين ما زالوا في عداد المفقودين. وقال آخر: «قد يكون الناس اليوم قادرين على تحمل مشاكل مثل الغاز والماء... لكنهم لا يستطيعون تجاهل آلامهم».

ثلاث نقاط رئيسية

بعد ثلاث جولات من استطلاع الرأي حول سوريا، برزت ثلاث نتائج رئيسية. أولاً، ازداد انتقاد السوريين لمسار البلاد، حيث أعرب 46% منهم عن تقييم سلبي في يونيو/حزيران. وحذرت إحدى السيدات في إحدى مجموعات النقاش قائلة: «البلاد أشبه بقنبلة موقوتة؛ ما إن يُشعل فتيلها حتى تنفجر». وانخفضت معدلات تأييد الحكومة بالتوازي مع ذلك، لتصل إلى 20% فقط. ثانياً، ثمة فجوة كبيرة بين المناطق ذات الدخل المرتفع والمناطق ذات الدخل المنخفض في تقييمات أداء الحكومة والخدمات العامة والأمن وسيادة القانون. وقالت سيدة أخرى: «أصبحت سوريا طبقتين: طبقة راقية جداً، وأخرى تحت الأرض». في جولة يونيو/حزيران، أفاد أقل من 10% من المستطلعين في المناطق ذات الدخل المنخفض بشعورهم بالأمان أو بوجود فعلي لسيادة القانون، وهي نسبة أقل بكثير من النسبة المقابلة في المناطق ذات الدخل المرتفع. وفي يونيو/حزيران، قال 56% من المستطلعين إنهم يواجهون صعوبة في تغطية نفقات المعيشة الأساسية مرة واحدة على الأقل شهرياً، بينما واجه 23% منهم هذه الصعوبات أسبوعياً أو يومياً. أما النتيجة الرئيسية الثالثة فهي هشاشة الثقة في العدالة الانتقالية. في فبراير، أعرب 56% من المشاركين في الاستطلاع عن ثقتهم بالحكومة في تحقيق العدالة الانتقالية. وبحلول يونيو، انخفضت هذه النسبة إلى 28% فقط، حيث قال 28% إن محاكمة رئيس الأمن السابق عاطف نجيب -وهي الأولى من نوعها ضد شخصية بارزة في نظام الأسد- قد عززت ثقتهم في العملية القضائية.

العودة إلى الأعلى

مقالات أخرى في هذا العدد

الديناميكيات المحلية
حكمة تدمرية
كيف حولّت إحدى المدن الغضب من شبيحة الأسد إلى تجربة محلية في العدالة الانتقالية
الديناميكيات المحلية
تفاهمات ما بعد الحرب
يجد الأكراد والتركمان في سوريا أرضية مشتركة في دمشق حيث يسعون إلى مزيد من النفوذ والتمثيل والحقوق
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
تَتبُّع الفلوس اللي عليكو
اعتقال حسان عقاد والخطوط الحمراء الجديدة في سوريا
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
من الذي ينبغي له أن يحتفظ بالأدلة المتعلقة بسوريا؟
لماذا ينبغي لـــ «الآلية الدولية المحايدة والمستقلة» أن تتوسط في نقل وثائق النزاعات إلى المؤسسات الوطنية
الديناميكيات المحلية
صعوبات الاندماج
في ظل استمرار المفاوضات الغامضة بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية، تعيش مدينة القامشلي في ظل سلطات متوازية ودعم متقلص، وعدم يقين متزايد بشأن من سيؤول له حكم المدينة
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
خارطة طريق نحو ماذا؟
الاتحاد الأوروبي يُعيد تشكيل علاقته بالمجتمع المدني السوري
العدالة والحقوق والمجتمع المدني
من يخشى المواطن المستقل؟
الصراع السياسي حول المدارس في سوريا

السياسة والسلطة

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية