مطابخنا التي حملت الثورة
18. آذار 2026
لسنوات طويلة، خرجت النساء السوريات من مطابخهن بحثاً في السجون ومطالبةً بمعرفة مصير مفقوديهم. واليوم، بعد سقوط النظام، يُطلب من كثيرات منهن العودة إلى المطبخ. لماذا؟
في جلسة حديث عن أنواع الأطعمة في رمضان، قالت لي إحدى السيدات مازحة: كونك شيف طباخة، فهذا أفضل لك من الحديث في السياسة.
هذه السيدة التي عرفتها في نقاشات سياسية كثيرة، يختلف تعاطيها مع السياسة عني خاصة بعد سقوط النظام البائد في سوريا، وهو ما جعلني في نظرها أكثر براعة في الطهي والمطبخ من براعتي مثلاً في انتقاد النظام الحالي أو الحديث في الشأن العام السوري.
ولم تكن هذه السيدة الوحيدة التي حاولت إعادتي إلى المطبخ سبقها صديق ناقشني طويلاً في تعليقات على أحد منشوراتي على فيسبوك، ليصل في النهاية إلى قناعة غريبة: أنني، كامرأة، فقدت أنوثتي بسبب انخراطي في السياسة والشأن العام.
بالنسبة لهؤلاء، مكان النساء واضح: المطبخ، الصحون، وصفات الطعام وأنواع الحلويات. وإذا قررت المرأة أن تتحدث في السياسة أو تنتقد السلطة أو تناقش مستقبل بلدها، فهي تخاطر — في نظرهم — بفقدان أنوثتها، وربما بفقدان سبب وجودها.
لهذا، وبمناسبة يوم المرأة العالمي، ويوم الأم السورية أيضاً، أكتب هذا المقال من مطبخي، فوق طاولة المطبخ التي شهدت الكثير من النقاشات السياسية والمجتمعية.
أكتبه لأحدثكم عن المرأة في الثورة السورية، تلك التي خرجت من مطبخها وبيتها لتصبح مناضلة رغماً عنها، لا بحثاً عن منصب أو دور سياسي، بل بحثاً عن وطن كانت تعيش فيه آمنة، ثم وجدت نفسها فيه مضطرة لأن تكون كل شيء.
أمي واحدة من هؤلاء النساء
كانت أمي امرأة بسيطة وعادية تزوجت صغيرة رغم حبها للدراسة والعلم، وبوعود من أبي بأن تكمل دراستها الثانوية ثم الجامعية لكن تلك الوعود انتهت بها، كما يحدث لكثير من النساء، أماً لتسعة أبناء وربّة منزل مزدحمة حياتها بين تربية أبنائها والمطبخ والأعمال المنزلية.
لم تكن أمي تملك ترف الوقت للجلوس أمام التلفاز ومتابعة الأخبار، لكن ذلك لم يمنعها من فهم ما يحدث حولها. كانت تناقش الجارات وتشرح لهن ما يجري في مصر وتونس عندما اجتاح الربيع العربي تلك البلدان، فقد كانت تحب الاستماع للراديو أثناء الطبخ أو أن تضع جوالها في المطبخ لتعرف تطورات الأحداث وترويها لجاراتها.
لم تكن أمي، التي بالكاد تعرف الشارع إلا في الأعياد، تتخيل يوماً أنها ستضطر للسفر وحدها عبر المحافظات السورية لزيارة أبنائها المعتقلين، ولم تكن تريد أن تعرف أسماء الأفرع الأمنية السورية ولا خريطة السجون المنتشرة فوق أراضيها.
لكنها أُجبرت، مثل غيرها من الأمهات والنساء السوريات، على أن تتعلم ذلك كله.
تعرفت إلى سجن البالونة في حمص، وسجن صيدنايا العسكري، وفرع أمن الدولة، والأمن العسكري وسجن عدرا للنساء. حفظت أسماء الحواجز، وعرفت معنى كلمة «تفييش» للهوية ووقفت في طوابير طويلة أمام المحاكم لتشهد محاكمة ابنتها.
لم تغادر أمي مطبخها حقاً. كانت تطبخ لبقية أبنائها خارج السجن، ولنا نحن المعتقلات داخله.
لكن مطبخها لم يعد مجرد مكان لإعداد الطعام، بل أصبح جزءاً من معركة الصمود. كانت أمي توثق قصص المعتقلات، وتساعد في تأمين احتياجاتهن داخل السجن، وتفتح بيتها لاستقبال الخارجات من المعتقل رغم خوف الكثيرين من الاقتراب منهن، بسبب الشك الدائم بأنهن ربما مراقبات من قبل الأجهزة الأمنية.
في إحدى فترات الثورة، كنا أربعة من أبنائها داخل المعتقل وخامسنا في دير الزور حيث المعارك والطائرات التي تقصف كل شيء، وبقيت أمي وحدها تواجه هذا العالم.
ومع ذلك، لم تكن أمي حالة استثنائية.
لم تكن أمي وحدها من غادرت مطبخها إلى الشوارع بحثاً عن أبنائها المعتقلين، ولم تكن أمي وحدها من تقف في طوابير الخبز والغاز والبصل في أيام النظام البائد، كما في الأزمات التي ما زالت البلاد تعيشها اليوم.
كانت هناك آلاف النساء اللواتي تُرِكن وحدهن في بلد يأكل أبناءه كوحش.
حينها، لم يكن ليجرؤ أحد على إعادة النساء إلى المطبخ أو مطالبتهم بالتوقف عن البحث عن أبنائهن.
لقد عرفت النساء حينها كيف يكنّ قائدات وكيف ينظمن الحياة في البيوت وخارجها، وكيف يقفن على أبواب الأفرع الأمنية يحملن صور أبنائهن ويطالبن، بكل جرأة وشجاعة، بكشف مصيرهم.
ولا أبالغ حين أقول إنني، خلال عملي في توثيق عشرات وربما مئات من قصص الاعتقال، رأيت النساء هنّ من يبحثن ويصمدن بشجاعة أمام جبروت النظام القمعي وأفرعه الأمنية واعتقالاته العشوائية.
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هؤلاء النساء اللواتي حملن عبء الحياة خلال سنوات الثورة، وخاصة النساء اللواتي سافرن وتعلمن وانخرطن في المجتمع المدني في دول لجوئهن، لم يجدن لأنفسهن مكاناً في مراكز صنع القرار بعد سقوط النظام، بل تم مطالبتهن بالعودة إلى المطبخ.
لقاءات السيد الرئيس اليوم
انتشرت خلال الأيام الماضية صور للقاءات الرئيس مع الوفود المختلفة من إعلاميين وناشطين مدنيين. وتكاد تكون كلها متشابهة رغم كل الانتقادات السابقة لعدم وجود المرأة في هذه اللقاءات، دائماً رجال فقط في كل مرة، يناقشون مستقبل بلد دفعت النساء فيه ثمناً باهظاً من حياتهن وأعمارهن.
وتصبح أي سيدة تتواجد في هذه اللقاءات وهذه الصور محط الأنظار والبحث والتعقب والسخرية، كما حدث مع الناشطة المدنية السيدة وصال ابراهيم التي تم دعوتها لإفطار مع الرئيس الشرع فوجدت نفسها وحيدة وسط جمع كبير من الرجال.
لكن الساسة السوريين لا يبدو أن أحداً منهم بدا منزعجاً من النساء في العالم الآخر كأوربا وأمريكا عندما يصلن إلى مواقع القرار. فقبل أيام فقط جلست زوجة دونالد ترامب، ميلانيا، على رأس جلسة مجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة، ولم أسمع أحداً يتساءل إن كانت قد فقدت أنوثتها، أو إن كان مكانها الطبيعي هو المطبخ.
لكن عندما تتحدث امرأة سورية في السياسة، أو تنتقد السلطة، أو تطالب بدور في إدارة بلدها، يعود السؤال القديم الساخر ليظهر من جديد: لماذا لا تعودين إلى المطبخ؟
ربما يبدو المطبخ مكاناً صغيراً في نظر كثيرين، لكنه بالنسبة لكثير من النساء السوريات كان المكان الذي بدأت منه قصص الصمود. فمن ذلك المكان خرجت الأمهات إلى الشوارع بحثاً عن أبنائهن ومنه خرجن إلى المحاكم والسجون والحواجز ومنه تعلمن كيف يُدِرن الحياة في غياب الأمان.
لهذا، لا أشعر بالإهانة عندما يُطلب منا اليوم أن نعود إلى المطبخ، لأنني أعرف أن الطريق إلى السلام في سوريا لن يمر فقط عبر غرف السياسة المغلقة التي يهيمن عليها الرجال، بل عبر تلك البيوت والمطابخ.