تأثير سترايساند في سوريا

12. تشرين الأول 2026

يُطلق «تأثير سترايساند» على الظواهر الاجتماعية التي تتسبب فيها جهود إخفاء المعلومات في انتشارها على نطاق أوسع بكثير. وفي نفس السياق، من خلال تقييد وصول النساء إلى بعض البرامج الجامعية، أشعلت وزارة التعليم العالي السورية، من دون قصد، نقاشاً أوسع بكثير حول حقوق المرأة، وحول توقّعات السوريين المتزايدة بإمكان الطعن في قرارات الحكومة.

في 30 أيلول/ سبتمبر، نشرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية إعلان قبول الطلاب في جامعاتها للعام الدراسي 2026–2027. وصُنّفت عدة برامج على أنها «للذكور فقط»، من بينها تخصصات الأمن والعلوم العسكرية، والنفط والغاز، والسكك الحديدية، والإخراج الإذاعي والتلفزيوني، فضلاً عن العلوم القانونية والاجتماعية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً. ولم تتضمن معايير القبول المنشورة أي تفسير علني لهذا التقييد.

أثار القرار موجة غضب على منصات التواصل الاجتماعي السورية، وحظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام العربية. وانتقدت شخصيات عامة، من بينها نوار جبور وصانعة محتوى تُعرف على الإنترنت باسم Rama_thoughts، القيود عبر تيك توك وفيسبوك وإنستغرام. واتسمت بعض ردود الفعل بحدة لافتة؛ إذ وصف أحد التعليقات القرار بأنه «أفغانستان 2.0»، ورأى آخرون أنه يستدعي «ثورة أخرى»، بينما اعتبره فريق ثالث دليلاً على الطابع الإسلامي للسلطات السورية الجديدة. في المقابل، دافع بعضهم عن الوزارة، مشيرين إلى إجراءات قبول سابقة خصصت بعض المجالات للنساء، ومؤكدين أن تلك الإجراءات لم تُثر القدر نفسه من الاستنكار.

تكمن المفارقة اللافتة في أن هذه السياسة المقيّدة للنساء منحت قضية حقوق المرأة أهمية متجددة. وبهذا المعنى، ربما أفضى القرار إلى عكس أثره المقصود: فمعايير القبول الجديدة تستبعد النساء من بعض البرامج، لكن هذا الاستبعاد نفسه وضع مكانتهن في الجامعات السورية -وفي سوريا ما بعد الأسد على نطاق أوسع- تحت مجهر الرأي العام.

حقوق مكتسبة

غير أن رد الفعل لا يقتصر على حقوق المرأة؛ بل يعكس أيضاً ما بات بعض السوريين يتوقعونه من حكومتهم. واللافت اليوم ليس اكتشاف السوريين المفاجئ لمفهوم المعارضة، بل احتمال أن يكون بعضهم قد بدأ ينظر إلى انتقاد قرارات الحكومة بوصفه حقاً مكتسباً، لا فعل مقاومة استثنائياً. فالاعتراض العلني على قرار الوزارة والمطالبة بتبريره يكشفان عن توقّع لم يتحقق بعد: أن تكون الحكومة قادرة على تفسير القرارات التي تمس حياة الناس. وحين يشكك السوريون في هذه القرارات وينتقدونها ويطالبون بتسويغها، فإنهم يعبّرون عن تصورهم لطبيعة العلاقة التي ينتظرونها من أصحاب السلطة، ويكشفون ضمناً عن نوع الفاعلين السياسيين الذين يرون أنفسهم عليه.

وثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الضغط الشعبي قد يؤتي ثماره أحياناً. فبعد أن حظرت السلطات السورية تقديم الكحول في مطاعم دمشق وحاناتها في 17 آذار/ مارس، خرج متظاهرون إلى الشوارع احتجاجاً على إجراء عَدّوه تمييزياً بحق الأقلية المسيحية في سوريا، قبل أن تخفف السلطات الحظر لاحقاً. وقد أرست هذه الواقعة، وغيرها من الوقائع المشابهة، سابقة مفادها أن قرارات الحكومة ليست نهائية بالضرورة، وأن الضغط الشعبي قد يكون مجدياً. وعندما تستجيب السلطات لهذه التوقعات بتقديم تبرير أو حتى بالتراجع عن القرار، فإنها ترسل رسالة واضحة بشأن ما يمكن للسوريين أن يتوقعوه من حكومتهم.

تمثل قضية القبول الجامعي الراهنة اختباراً آخر لهذا التوقع. فمجرد الطعن العلني في قرار حكومي، ومناقشته، والمطالبة بتبريره، أمر بالغ الأهمية. ولا يمكن الجزم، استناداً إلى ردود الفعل وحدها، بما إذا كان المعترضون يتوقعون فعلاً أن تُسمع أصواتهم؛ لكن الأهم أنهم يعلنون هذه التوقعات على الملأ على أي حال.

لا ينبغي الخلط بين هذا المسار وبين المساءلة الديمقراطية، كما أنه لا يعني أن السوريين باتوا يتمتعون فجأة بحرية مطلقة في الاعتراض. إلا أن ردّ الفعل يشير إلى أن بعض السوريين، على الأقل، يشعرون على نحو متزايد بأن من حقهم مساءلة السلطات، وربما يعتقدون أن لهذه المساءلة أثراً. ومع ذلك، قد لا يكون الضغط موجّهاً إلى السلطات السورية وحدها. فبالنسبة إلى بعض المنتقدين، ولا سيما أصحاب الجمهور في الخارج، تتيح وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لجذب الانتباه الدولي إلى القرارات الداخلية. وإذا كانت السلطات السورية الجديدة تسعى إلى اكتساب شرعية دولية، فقد تحمل الانتقادات التي تصل إلى الجمهور الغربي وزناً إضافياً. ومن ثم، قد لا يعكس رد الفعل مجرد توقّع بأن تصغي الحكومة إلى مواطنيها، بل أيضاً إدراكاً بأن التدقيق الخارجي قد يصعّب على السلطات تجاهل المطالب الشعبية.

يثير هذا الجدل سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بحق المرأة في التعليم، وبما إذا كانت القيود القائمة على النوع الاجتماعي ستغدو سمة من سمات سوريا الجديدة. أما الثاني فيتصل بالعلاقة بين المواطنين والدولة: هل سترسّخ السلطات السورية الجديدة مبدأ جواز مساءلة قرارات الحكومة وإمكان التراجع عنها، أم ستعلّم المواطنين أن آراءهم لا قيمة لها؟

العودة إلى الأعلى

طالبة علوم سياسية لها خلفية في العمل الإنساني

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية