Cover image
الدبلوماسية

حرب الخليج الثالثة

تجربة الحرب العراقية الإيرانية تقدّم دروساً مفيدة لدول الخليج في أزمتها الحالية

أصبحت دول الخليج اليوم في قلب حرب إقليمية مفتوحة. ومع تآكل معادلات الردع وتصاعد الهجمات الإيرانية، تجد نفسها أمام خيار صعب: إمّا أن تبقى أضراراً جانبية، أو أن تُعيد رسم قواعد الاشتباك.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، كان خبراء عسكريون أمريكيون يشاركون بين الحين والآخر تقييمات إستراتيجية مع نظرائهم العراقيين. وقد فضّلت واشنطن آنذاك شنّ جهد جوّي شامل يهدف إلى تحقيق السيادة الجوية وتهديد البنية التحتية النفطية الإيرانية. وكان الرهان أنّ خنق إيران اقتصادياً، أو حتى التلويح بذلك بشكل جدّي، كفيل بدفع قيادتها العقائدية إلى التراجع.

غير أنّ تحليلات أكثر رصانة حذّرت من أنّ دولة نفطية عدوانية، تقع على واحد من أهم الممرّات البحرية الحيوية في العالم، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الضغوط الاقتصادية، بل ستسعى إلى الرد عبر تعطيل حركة الشحن واستثمار أسعار النفط كسلاح إستراتيجي.

وهذا ما حدث بالفعل. فقد استخدم العراق قوّته الجوّية، وإن لم يكن ذلك بشكل شامل، لاستهداف صادرات النفط الإيرانية، ما دفع طهران إلى الرد بالمثل في ما عُرف لاحقاً بـ«حرب الناقلات». ومع تصاعد المخاطر، أحجم مالكو السفن عن الإبحار نحو جزيرة خرج، الميناء النفطي الرئيسي لإيران، واضطرّت طهران إلى نقل نفطها عبر ناقلاتها الخاصة إلى منشأة بديلة في جزيرة لارك عند مضيق هرمز.

في هذا السياق، شهدت الحرب واحدة من أطول الضربات الجوية، حين استهدفت مقاتلتان عراقيتان من طراز «ميراجF1 » في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1986 ناقلات نفط راسية في محطة «الفجر 2» في جزيرة لارك، مدمّرة عدداً منها. لم يكن هدف صدام حسين حرمان إيران من العائدات فحسب، بل أيضاً رفع أسعار النفط عالمياً واستدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع طهران، التي كانت تبدو آنذاك في موقع المتفوّق في الحرب. وبحلول تلك المرحلة، كان العراق قد انسحب من الأراضي الإيرانية، وأصبح هدفه يقتصر على تحقيق وقف إطلاق نار يحفظ ماء الوجه.

وقد وصف الرائد في سلاح الجو الأمريكي، ريجينالد بيركويست، هذا الصراع في دراسته بأنّه «تبادل صفعات متبادلة، مزعج وغير حاسم»، وهو توصيف استمرّ لثماني سنوات من الاستنزاف.

في نهاية المطاف، كان التدخل الأمريكي المحدود هو العامل الحاسم. فقد موّلت دول الخليج شراء العراق للأسلحة المتقدّمة، وأصبحت ناقلاتها النفطية هدفاً للألغام والزوارق الإيرانية المسلّحة. وفي 18 نيسان/أبريل 1988، نفّذت البحرية الأمريكية عملية «Praying Mantis»، التي أسفرت عن تدمير فرقاطتين إيرانيتين ومنشآت نفطية تستخدم لأغراض عسكرية، إلى جانب عدد من الزوارق السريعة.

وخلال أشهر، رضخت إيران المُنهكة. ففي تموز/ يوليو 1988، «تجرّع السم» الخميني وقبِل بالقرار الأممي 598، منهياً الحرب. ومنذ ذلك الحين، تمتّعت دول الخليج بفترة طويلة لم تواجه فيها تجارتها النفطية تهديداً مماثلاً، فيما خرج العراق مثقلاً بديون حرب بلغت 100 مليار دولار، منها 37 ملياراً مستحقّة لدول الخليج.

وكان النزاع بين العراق ودائنيه الخليجيين، وعلى رأسهم الكويت، من أبرز أسباب اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1990 و1991.

دول في خط المواجهة

ما يميّز الحرب العراقية الإيرانية عن المواجهة الحالية، التي تسعى فيها قوة إقليمية، هي إسرائيل، إلى إضعاف أو حتى إسقاط النظام الإيراني، هو مستوى الانخراط الأمريكي المباشر. ومع ذلك، فإنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تفوّقهما التكنولوجي والعسكري، تواجهان تحدّيات إستراتيجية شبيهة بتلك التي واجهها العراق سابقاً: قدرة إيران على امتصاص الضغوط الاقتصادية، وعلى تعويض خسائرها البشرية، حتى في مستويات القيادة العليا.

غير أنّ الفارق الأبرز، من منظور إقليمي، هو انتقال دول الخليج نفسها إلى موقع خط المواجهة. فعلى مدى عقود، قامت إستراتيجيتها على ركيزتين: الاعتماد على الحماية الأمريكية، وتمويل قوى مناوئة لإيران في ساحات بعيدة، شمالاً وجنوباً، بحيث يبقى القتال «هناك» لا «هنا».

وكانت النتيجة أن تحوّل كلّ من العراق وسوريا واليمن إلى ساحات صراع دامية. فقد قُتل نحو نصف مليون جندي في الحرب العراقية الإيرانية، وتكبّد اليمن وسوريا خسائر مماثلة في حروبهما الداخلية. أمّا اليوم، ومع سعي إسرائيل، كما يبدو، إلى تغيير النظام في إيران، فقد انتقلت ساحة المواجهة طبيعياً إلى الخليج، الذي ظلّ على الدوام «الجائزة الكبرى» في نظر حكّام إيران، من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية.

إدراكاً لذلك، سعت دول الخليج إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، بالتوازي مع شراء مظلّة أمنية خارجية. وقبيل التصعيد الأخير، أدّت دوراً ملحوظاً في الدفع نحو حلول دبلوماسية. إلّا أنّ ذلك لم يمنع طهران من استهداف البنية التحتية للطاقة، والقواعد العسكرية، وقطاع السياحة في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية. ووفقاً لقناة العربية، فإنّ 85 في المئة من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت دول الخليج، من بينها 48 في المئة ضد الإمارات وحدها.

أضرار جانبية أم معادلة جديدة؟

لا شك في أنّ الهجمات الإيرانية على دول الخليج تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وترقى إلى عمل حربي، ما يمنح هذه الدول حقاً قانونياً وأخلاقياً في الدفاع عن النفس. كما أنّها امتداد لإرث «حرب الناقلات» وما رسّخته من قواعد غير مكتوبة لتنظيم أمن الطاقة في الخليج: الأولى أنّ الولايات المتحدة هي الضامن النهائي لأمن الملاحة؛ والثانية أنّ إيران قادرة على تعطيل استخدام الخليج إذا مُنعت هي من استخدامه.

ومع تفوّق القوات الأمريكية والإسرائيلية جوياً، يعود التركيز مجدّداً إلى استهداف قطاع الطاقة الإيراني، وهو ما طُرح أصلاً في ثمانينيات القرن الماضي على العراق. غير أنّ التهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية لن يكون ذا مصداقية إلّا إذا أمكن حماية بنية الطاقة لدى الحلفاء الإقليميين. وفي عصر الطائرات المسيّرة، يبدو هذا الضمان هشّاً، إذ إنّ نسبة اعتراض تبلغ 96 في المئة لا تعني منع الاختراق بالكامل.

في ضوء ذلك، تبدو الإستراتيجية الخليجية القائمة على تجنّب التصعيد أكثر صعوبة في الاستمرار. فالولايات المتحدة ستمنح الأولوية لمصالح إسرائيل، والحرب الإيرانيةا لإسرائيلية، أو ما يمكن تسميته «حرب الخليج الثالثة» - وما أفرزته من تداعيات سلبية على الخليج، هي نتيجة مباشرة لهذا الخلل في السياسة الأمريكية.

تدمير متبادل للطاقة؟

يشير معارضو الرد الخليجي الحازم إلى احتمال الوصول إلى سيناريو «التدمير المتبادل للطاقة»، حيث تستهدف إيران البنية التحتية للجميع، وهي تدرك أنّ بنيتها ستُدمّر بالمثل. غير أنّ دروس الحرب العراقية الإيرانية توحي بأنّ هذا السيناريو يبقى مستبعداً.

فعلى الرغم من الضجيج الإعلامي الذي رافق استهداف ناقلات النفط في الثمانينيات، ظلّ استخدام القوة الجوية ضدّ منشآت الطاقة محدوداً وانتقائياً. ولم تصل الحرب في أي مرحلة إلى تعطيل كامل لإنتاج النفط أو تصديره لدى أي من الطرفين. وفي هذا الصدد، يقول الرائد بيركويست:

يمتلك الطرفان العراقي والإيراني أصولاً إستراتيجية لا يرغبان في تعريضها للتدمير، وفي مقدّمتها النفط. غير أنّ هذه الأصول تبقى عرضة للخطر، إذ تقع على مقربة من مرمى الطرف الآخر، فضلاً عن كونها أهدافاً رخوة يسهل استهدافها. فالمصافي ومناطق التخزين يمكن أن تتعرّض لأضرار جسيمة من الهجمات الجوية بالرشاشات، كما أنّ قادة ناقلات النفط يتردّدون في المخاطرة بسفنهم إذا ما وُجد احتمال جدّي لاستهدافها. وفي ظلّ عجز الطرفين عن توفير حماية كافية لهذه الأصول الحيوية، يصبح الردع المتبادل الخيار الوحيد المتاح. وعليه، فإنّ كلاً من القوة الجوية العراقية والقوة الجوية الإيرانية تؤدّيان بالدرجة الأولى دور أداة ردع، هدفها الحدّ من قدرة الطرف الآخر على توجيه ضربات إلى أهداف إستراتيجية

تستهدف إيران البنية التحتية للطاقة في الخليج لأنّ الردع قد فشل؛ فهي تُقدّر، وبقدر كبير من الصواب، أنّ دونالد ترامب لن يُخاطر بارتفاع أسعار الوقود أو ركود عالمي لمجرّد الدفاع عن دول الخليج. أمّا إسرائيل، فعلى استعداد لتأجيج الصراع، لكنّها ليست بالضرورة مستعدة للدفاع عن هذه الدول. وفي المقابل، يقف العالم العربي، المُنهك، عاجزاً عن التدخّل.

ضحايا.. أو معادلة جديدة

لإعادة ترسيخ الاستقرار، يتعيّن على دول الخليج بلورة منظومة ردع مستقلّة، قوامها ثقة إستراتيجية أعلى بالنفس، وقدرة متنامية على الاعتماد الذاتي في المجال الدفاعي. تمتلك هذه الدول بالفعل قدرات عسكرية متقدّمة، تشمل قوات جوية وبحرية قوية، وفي حالة السعودية، صواريخ باليستية، تفوق ما امتلكه العراق في عهد صدام حسين. كما تمتلك الإمارات جيشاً قادراً، نظرياً، على إعادة طرح مسألة السيادة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي تحتلّها إيران منذ عام 1971، كجزء من ردّ متناسب على الهجمات التي تستهدف مدنها بآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويبقى السؤال: هل تقبل دول الخليج بدور الضحية، أم تُثبت أنّها ليست ساحة مستباحة؟ إنّها مواجهة لم تخترها، وستكون لها كلفة. لكن على المدى الطويل، فإنّ ترسيخ معادلة ردع واضحة قد يحقّق مكاسب إستراتيجية، أياً يكن شكل النظام الذي سيحكم إيران في المستقبل.

العودة إلى الأعلى

الدبلوماسية

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية