سباق الشعبية
الحملة الإعلامية لهيئة تحرير الشام كانت ذات يوم لامعة. لكنّها باتت الآن تتعثّر
إن الحملة الإعلامية المتقنة التي جعلت صعود هيئة تحرير الشام يبدو، في وقت من الأوقات، منضبطاً وعملياً، بل وحتى مقبولاً اجتماعياً، بدأت الآن تُظهر علامات ترهّل، وتزداد انفصالاً عن الوقائع على الأرض.
من بين أكثر التطوّرات غير المتوقّعة في أعقاب سقوط بشار الأسد، السرعة والمهارة اللتان تمكّنت بهما هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع من إدارة صورتهما العامة. وكثيراً ما سلّطت التغطية الإعلامية الضوء على مشاهد جرى تنسيقها بعناية: مقاتلو الهيئة القادمون من إدلب، بلحاهم، وصغر سنّهم، وخشونتهم الظاهرة، يلتقطون صور «سيلفي» مع نساء غير محجّبات يرتدين الجينز في شوارع دمشق. وقد ساعد هذا التباين في تصوير انتصار هيئة تحرير الشام على أنّه أمر مقبول اجتماعياً، بل وحتى «cool». وفي قلب هذه الحملة الإعلامية كان الشرع نفسه، الذي تضمّنت إطلالاته الإعلامية في ذلك الوقت كثيراً من الجولات العفوية في أماكن عامة، وسط حشود من المعجبين.
على مدى عامٍ تقريباً، نجحت هيئة تحرير الشام في ضبط السردية العامة وتوجيه الانطباعات إلى حدّ بعيد، غير أنّ هذه القدرة تبدو اليوم آخذة في التآكل. ويعود ذلك جزئياً إلى تفاقم أزمة المعيشة وتزايد الضغوط الاقتصادية، لكنه يرتبط أيضاً بالإفراط في الاتكاء على مؤثرين سطحيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تنامي الانطباعات السلبية تجاه عناصر الهيئة.
التصدّعات الأولى
ظهرت أولى التصدعات الجدية في الحملة الإعلامية في تموز/يوليو 2025، مع اندلاع أعمال العنف في السويداء. وللمرة الأولى، بدا الشرع متردّداً وردّ فعلي، وربما غير ممسك بالكامل بزمام الأمور. كما برز خطأ واضح في التقدير السياسي سعت الحكومة في البداية إلى التغطية عليه، لكن وزير الخارجية أسعد الشيباني عاد وأقرّ به لاحقاً، معترفاً للصحافيين بأنّ «فخاً نُصب لنا فوقعنا فيه». وعلى خلاف اشتباكات الساحل، حيث جرى سحق بقايا النظام الأسدي بصورة حاسمة، أثبتت المواجهة مع الدروز أنّها أكثر فوضوية وأطول أمداً، كما بدا أنّ سلطة الحكومة موضع تشكيك وبشكل علني.
غير أنّ الأمر، بالنسبة إلى كثيرين، كان يحتاج إلى ما هو أكثر من مجزرة أو اثنتين حتى تتضرّر صورة الحكومة. وقد تحقّق ذلك، في المقام الأول، على أيدي عناصر هيئة تحرير الشام أنفسهم ودعاتها الإعلاميين.
ترويج النفوذ
منذ البداية، اعتمدت هيئة تحرير الشام بدرجة كبيرة على شبكة من المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي لصياغة سرديتها الداخلية. وقد أُتيح لهؤلاء المؤثّرين وصولٌ مباشر إلى قيادة الهيئة، مقابل الترويج لسياساتها وتسريب معلومات عن إعلانات حكومية مرتقبة. ويقول أحد الصحافيين السوريين في هذا السياق: «يتعلق الأمر بالتواصل مع أبناء الجيل Z، الذين تقلّ لديهم النزعة إلى طرح أسئلة نقدية تجاه هيئة تحرير الشام».
أمّا أسلوبهم، شأنهم في ذلك شأن المؤثّرين في أنحاء العالم، فكان استفزازياً، وسطحي في الغالب، وعادةً ما يفتقر إلى الذوق. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية فاعليتها في البداية في حشد التأييد، ولو على نحو ساخر أحياناً، وفي الرد على المنتقدين؛ لكنّها مع مرور الوقت أصبحت متكرّرة ومزعجة، وبدت في بعض الأحيان نسخة محلّية من المؤثر البريطاني المثير للجدل أندرو تيت.
وقد عزّزت مشاهد متكرّرة هذا الانطباع. فعندما صوّر رجل الأعمال الناجح ومذيع الأخبار السابق موسى العمر نفسه على قمة جبل قاسيون في حزيران/يونيو 2025 للإعلان عن مشروع فندق جديد من فئة خمس نجوم، تساءل كثير من الدمشقيين كيف حصل بهذه السرعة على رخصة البناء. وعندما بثّ جميل الحسن، وهو مؤثر ومن هواة كمال الأجسام، مقطعاً مصوّراً مؤثّراً من الكعبة خلال موسم الحج، بدا هذا الاستعراض لبعض المشاهدين مفتعلاً. وإذا شكّك الناس في الرسول، فسيشكّكون في الرسالة.
يُضاف إلى ذلك الخطاب المتزايد تنسيقاً وتوحيداً. فهناك مجموعة فضفاضة ومتوسّعة من المؤثّرين، يُقدَّر عدد أفرادها الآن بنحو 40، تبدو وكأنّها تتحرّك بإيقاع واحد. ففي أسبوع يكون التركيز على «الهوية البصرية» الجديدة لقوات الشرطة؛ وفي الأسبوع التالي على «النصر المؤزر» في شمال شرقي البلاد؛ ثمّ في الأسبوع الذي يليه على زيادة الرواتب التي أعلنتها الحكومة. وكانت النتيجة إغراق الجمهور بسلسلة من الأخبار المعدّة سلفاً، التي باتت تبدو في آنٍ واحد غير مقنعة ومتعالية.
والأهم من ذلك أنّ هؤلاء المؤثّرين أخذوا يبتعدون عن الواقع: يستعرضون مؤتمرات استثمارية ويتحدّثون عن مليارات تلوح في الأفق، فيما يكافح السوريون العاديون لتأمين لقمة العيش. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر عام 2025 وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل حادّ، بدا التطمين المتواصل بأنّ كلّ شيء يتحسّن، وأنّ القيادة تعرف ما تفعله، وأنّ الصبر سيُكافأ، أقلّ إقناعاً لدى شريحة واسعة من الناس. وقد أُطلق على هؤلاء المؤثّرين لقب ساخر هو «المطبّلين»، كما تحوّلوا أيضاً إلى مادة غنية لإنتاج الصور الساخرة والنكات المتداولة.
سلوك لا يليق
ولم يساعد سلوك عناصر هيئة تحرير الشام أنفسهم في تحسين الصورة. فالكثير منهم كانوا مجتهدين وجادّين؛ لكن عدداً كبيراً أكثر مما ينبغي بدا مستمتعاً بامتيازات السلطة على نحو غير لائق. وسرعان ما أصبحت مواكب سيارات «كاديلاك إسكاليد» السوداء مصدراً للضيق والانزعاج. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحضور المتزايد لمسؤولين يمارسون أعمالاً خاصة فيما هم لا يزالون في مناصبهم الحكومية. أمّا مظهرهم، فلبس البدلات والساعات الضخمة وحقائب «لاكوست» اليدوية للرجال، والميل إلى تناول الطعام على نحو استعراضي في مطاعم باهظة الثمن، قد أثارت قدراً متساوياً من الغيرة والازدراء.
وبدأت الصورة المنضبطة والزاهدة التي رافقت صعود هيئة تحرير الشام تتلاشى، لتحلّ محلّها نظرة إلى المسؤولين بوصفهم متعجرفين وانتهازيين وأكثر اهتماماً بالاستعراض من إنجاز العمل. ولم يكن ذلك ينطبق على الجميع، لكنّه انطبق على عدد كافٍ لصوغ الانطباع العام. وكما قالت سيدة دمشقية في أوائل الأربعينات من عمرها: «الشاطر هو الذي يملأ جيوبه في النهاية؛ بعضها علناً وبعضها في الخفاء، لكن دائماً تحت غطاء الدين والشعارات والأخلاق».
ولم تمرّ المشكلة من دون أن تُلاحظ من قبل القيادة. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أفادت تقارير بأنّ الرئيس الشرع وجّه توبيخاً إلى مسؤوليه بسبب ما وصفه بتنامي «شبهات الفساد»، محذّراً من أنّ ذلك يهدّد بتآكل ثقة الجمهور. وحثّهم على إظهار قدر أكبر من ضبط النفس في إنفاقهم واستهلاكهم، كأن تكون المواكب الرسمية أصغر حجماً، على سبيل المثال. كما تعهّد بإطلاق حملة متجدّدة على الفساد في القطاع العام، الذي يُقدَّر أنه يكلّف سوريا نحو ملياري دولار سنوياً. وبدأ بأخيه جمال، بعدما أُغلق مكتبه إثر شائعات عن صفقات تجارية مشبوهة. وكان لهذا التدخّل مغزاه، إذ شكّل إقراراً ضمنياً بأنّ سلوك بعض أطراف الطبقة الحاكمة بدأ يقوّض صورة الحكومة.
مأساة وسائل التواصل
في جوهرها، تكمن مشكلة الحملة الإعلامية للحكومة في بُعدها البنيوي. فلا تزال وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في سوريا مهيّأة لإنتاج إعلاميين، لا لممارسة الصحافة بمعناها الحقيقي. وقد يكون صنع المشاهير وإنتاج المقاطع الرائجة على «تيك توك» و«فيسبوك» مسلّياً؛ لكنّه لا يبعث على الثقة.
وفي ظلّ غياب وسطاء موثوقين ومحترفين، من صحافيين ومحرّرين ومقدّمي برامج ذوي خبرة، لا يجد الجمهور سبباً كافياً لتصديق ما يسمعه من المؤثّرين أو من وسائل الإعلام الرسمية التي تؤدّي دور الوعاء الناقل لهم. وحتى بيانات الرئيس الشرع ومراسيمه تبدو، أكثر من ذي قبل، أقل وقعاً وتأثيراً، مع بدء الناس في الإعراض وفقدان الاهتمام.
إعادة ضبط إعلامية
تضرّرت صورة الحكومة بفعل السطحية والابتذال اللذين طغيا على زمرة من المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض أوساط الجهاز البيروقراطي التابع لهيئة تحرير الشام. ويأتي ذلك على نحو غير منسجم مع الإنجازات الملموسة التي حقّقها الرئيس الشرع، بما في ذلك رفع العقوبات الأمريكية، وإبرام اتفاق الاندماج مع قسد، والانتهاج الحذر لتجنّب التورّط في الحرب الإيرانية-الإسرائيلية.
وبما أنّ حسن الذوق لا يمكن فرضه بالقانون، وأنّ مكافحة الفساد مهمّة طويلة وشاقة، فإنّ المصداقية والجدّية يمكن إعادة بنائهما بسرعة معقولة عبر ممارسة صحافية أكثر احترافاً. وهذا يعني أن تمنح الحكومة وسائل إعلامها، قناة «الإخبارية» وصحيفة «الثورة السورية» ووكالة الأنباء السورية «سانا»، استقلالية حقيقية تمكّنها من التحقيق، وطرح الأسئلة، وإعداد التقارير من دون رقابة ذاتية، ومن دون الاضطرار الدائم إلى المديح والتمجيد على طريقة عهد الأسد.
مصداقية الحكومة
ويمكن تعزيز مصداقية الخطاب الحكومي إلى حدّ كبير من خلال تغطية متّسقة تستند إلى الوقائع، ولا تعاني سوريا نقصاً في الكفاءات. وكما قال رئيس تحرير سوري متقاعد: «سوريا بلد مليء بالصحافيين، لكنّه بلا صحافة». وما تفتقر إليه سوريا هو المؤسّسات الإعلامية: غرف أخبار تؤدّي دور مدارس للصحافة، قادرة على تدريب المراسلين وفرض المعايير المهنية. ومع تنامي الثقة بهذا النوع من العمل الصحافي، فإنّ ذلك من شأنه أن يشجّع بدرجة كبيرة على استعادة أوسع للثقة بالحكومة نفسها.