الخروج من دون رحيل
ما الذي تبقّى من نفوذ إيران في سوريا؟
أدّى سقوط الأسد إلى تجريد إيران من معظم قوتها في سوريا، لكن شبكات ما زالت قائمة، وقد يجري توظيفها لفتح جبهة جديدة.
قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، تجلّى النفوذ الإيراني في سوريا أساساً في ثلاثة أشكال رئيسية. أولها كان عسكرياً، إذ ساعد ضباط من «الحرس الثوري» وضباط من «حزب الله» في تجنيد وتدريب وقيادة وحدات رديفة من «قوات الدفاع المحلية» مؤلفة من مقاتلين سوريين، إلى جانب تولّيهم قيادة عدد كبير من الجماعات المسلحة الشيعية المرتبطة بـ«الحرس الثوري» والقادمة من العراق وباكستان وأفغانستان.
أما الشكل الثاني فكان ثقافياً، حيث سعى «الحرس الثوري» إلى ترسيخ الدعم الأيديولوجي لـ«محور المقاومة»، ولا سيما من خلال «فيلق المدافعين عن حلب» الذي تولّى إصدار منشورات وتنظيم فعاليات ثقافية، فضلاً عن تقديم منح دراسية في إيران.
والشكل الثالث كان دينياً، وتمثّل أساساً في استهداف الطائفة الشيعية الاثني عشرية في البلاد، وتشجيع أفرادها على اتباع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بوصفه «المرجع» الخاص بهم، أي السلطة الدينية التي تصدر التوجيهات.
وغالباً ما تداخلت هذه المستويات من النفوذ. فبعض أفراد الطائفة الشيعية الاثني عشرية، على سبيل المثال، التحقوا أيضاً بوحدات «قوات الدفاع المحلية». غير أنه مع انهيار نظام الأسد، سارع الإيرانيون وحلفاؤهم الأجانب من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان إلى الانسحاب من سوريا.
لم تعد هناك «قوات دفاع محلية»
لم يكن معظم الذين عملوا مع «قوات الدفاع المحلية» من الشيعة، بل من أبناء الغالبية السنية في البلاد، كما أن بعض هذه الوحدات بُني على أساس قبلي. فعلى سبيل المثال، شكّل أفراد من قبيلة البكارة «لواء الباقر». كما دفعت عشيرة بري في حلب بـ«لواء الشهيد علي زين العابدين بري».
ومع سقوط النظام، انقلبت هذه الجماعات السنية إما على إيران، أو اختارت ببساطة التواري. ومنذ ذلك الحين، انخرطت شبكاتها في الاصطفاف مع الحكومة الجديدة، أو آثرت البقاء في الظل.
وقال مصدر مرتبط بـ«لواء الشهيد علي زين العابدين بري» لـ«سوريا المتجدّدة» إنه مع بدء سقوط حلب، أبلغ الحاج خالد من «لواء الباقر» قيادة اللواء بأنه ينسق مع «هيئة تحرير الشام». وكانت المجموعة قد خططت في البداية للانسحاب باتجاه حمص ثم دمشق، لكن مع سقوط حمص اختارت بدلاً من ذلك الانشقاق والعودة إلى حلب. ولا توجد حالياً أي مؤشرات إلى أن أيّاً من المجموعتين، أو ما تبقّى من شبكاتهما، ينسق سراً مع إيران.
الصمود على المستوى الديني
أما داخل الطائفة الشيعية الاثني عشرية في البلاد، فالصورة أكثر تعقيداً. فمع سقوط النظام، اضطرت مؤسسات إيرانية كثيرة إلى الإغلاق، بما في ذلك فروع «جامعة المصطفى» الإيرانية في السيدة زينب وبلدة نبل الشيعية في ريف حلب.
وقال رجل دين من نبل لـ«سوريا المتجدّدة» إن الشخصيات الدينية المحلية تواجه اليوم صعوبات مالية متزايدة، بعدما توقفت عن تلقي المدفوعات من مكتب خامنئي. وعلى المستوى الظاهري، تحركت قيادة الطائفة الشيعية باتجاه التكيّف مع السلطات الجديدة. ففي مقابر «الشهداء» في نبل والزهـراء المجاورة، أزيلت أخيراً صور خامنئي وقاسم سليماني ورموز «حزب الله» من الشواهد والعروض العامة.
لكن على مستوى الممارسة الدينية، لا تزال الصلات بإيران قائمة. فكثيرون داخل هذه الطائفة ما زالوا يتبعون خامنئي بوصفه «المرجع» الديني لهم، وهو موقع امتد الآن إلى نجله مجتبى الذي خلفه في منصب المرشد الأعلى. وقد بدا ذلك واضحاً خلال عيد الفطر. فبينما أعلنت سوريا رسمياً أن الجمعة 20 مارس (آذار) هو أول أيام العيد هذا العام، واصل كثير من سكان نبل الصيام التزاماً بتوجيهات مكتب خامنئي وغيره من كبار رجال الدين الشيعة في المنطقة، مثل آية الله السيستاني.
وهناك أيضاً تعاطف واضح مع إيران في حربها الجارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى وإن كان نادراً ما يُعبَّر عنه علناً. وقد سُجّلت حالات حاول فيها ضباط من «الحرس الثوري» كانوا على تواصل مع سكان نبل والزهراء تجنيدهم كمخبرين. غير أن مثل هذه المحاولات لا يُرجَّح أن تثمر لإيران عن أي مكاسب ذات شأن، باستثناء تمكينها من إبقاء عينها على الوضع الهش الذي تعيشه الطائفة الشيعية.
متمردون علويون كوكلاء لإيران؟
أصبحت مظاهر التأييد العلني لإيران و«محور المقاومة» اليوم محصورة إلى حد كبير في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما بين مجموعات تعلن معارضتها للحكومة الجديدة. ومن بين هذه المجموعات «الجبهة الإسلامية للمقاومة في سوريا – أولي البأس»، وهو اسم تتبناه جهتان منفصلتان.
وقال قائد إحدى هاتين المجموعتين، المعروف باسم «أبو مجاهد»، لـ«سوريا المتجدّدة» إن مجموعته لا تتلقى دعماً من «محور المقاومة أو الإخوة في إيران، لكنها تملك بعض الأصدقاء الذين يقدمون المساعدة». وتزعم المجموعة أنها تنفذ عمليات تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة، من بينها هجوم مزعوم في مطلع آذار/مارس على «قاعدة الشدادي الأميركية» في الحسكة، وهي قاعدة كانت القوات الأميركية قد انسحبت منها.
ورغم أن مثل هذه الادعاءات قد تكون موضع شك كبير، فإنها تشير إلى استمرار وجود شبكات صغيرة وأفراد ما زالوا يحتفظون بألفة أيديولوجية مع «محور المقاومة».
ومن الشبكات الأخرى التي تُظهر دعماً لإيران و«محور المقاومة» عبر الإنترنت «درع الساحل»، الذي يُعد على الأرجح الاسم الأكثر شهرة بين جماعات التمرد العلوية المعارضة للحكومة الجديدة، وإن لم يكن جميع المتمردين العلويين يتبنون هذا التموضع.
وقد أقرّ مضر علي، وهو عنصر سابق في «الحرس الجمهوري» من جبلة وقائد «المقاومة العلوية»، بأنه نسّق في البداية مع «درع الساحل» خلال انتفاضة آذار/مارس 2025 التي انتهت إلى مجازر الساحل. لكنه اعتبر أن اصطفاف «درع الساحل» مع إيران، التي يقول إنه يرفض «مشاريعها التوسعية الهزلية»، شكّل نقطة خلاف رئيسية بينهما.
وبرأيه، تلقّى «درع الساحل» دعماً إيرانياً قبل الانتفاضة، لكنه لم يتمكن من تأكيد ما إذا كان هذا الدعم قد استمر بعد ذلك. أما الذين يعلنون اصطفافهم مع «درع الساحل»، فلا يقرّون علناً بتلقيهم مثل هذا الدعم، وإن كانت ألفتهم الأيديولوجية مع إيران و«محور المقاومة» لا تخطئها العين.
لم يعد هناك «حزب الله»؟
تشير العمليات الأمنية المتواصلة التي تنفذها دمشق إلى استمرار وجود خلايا مرتبطة بـ«حزب الله»، تعمل إما في إطار التمرد ضد الحكومة أو في تسهيل تهريب السلاح. ففي تموز/يوليو من العام الماضي، أعلنت الحكومة تفكيك خلية تمرّد علوية في اللاذقية يقودها ماهر حسين علي، والذي أفادت التحقيقات بأنه تلقّى دعماً لوجستياً من «حزب الله».
وشمل الإعلان نفسه توقيف الوضّاح سهيل إسماعيل، قائد «فوج المخزون»، وهو فصيل تمرد علوي مرتبط بالشبكة نفسها ومنضو تحت لواء سهيل الحسن، القائد السابق لـ«قوات النمر» المدعومة من روسيا. وكان «فوج المخزون» قد توقف عن نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي في الشهر نفسه.
وتوجد أيضاً دلائل على أن بعض المتمردين المناهضين للحكومة يستخدمون أراضيَ في لبنان تقع تحت نفوذ «حزب الله» كملاذ آمن. وكان أبو علي سومر، قائد جماعة التمرد العلوية «فوج عزرائيل الجبل»، قد قال لـ«سوريا المتجدّدة» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إنه يعارض «المشروع الإيراني»، وانتقد طهران لفشلها في دعم العلويين خلال مجازر الساحل، بل وصرّح بأنه سيقبل دعماً إسرائيلياً إذا كان من شأنه أن يساعد العلويين فعلاً.
ورغم ما أعلنه من ازدراء لإيران، أفادت تقارير بأنه قُتل في ضربة إسرائيلية في لبنان في آذار/مارس.
في المجمل، يبدو أن القوة الصلبة لـ«حزب الله» في سوريا قد تراجعت إلى حدّ كبير. لكن كثيراً من الشيعة السوريين من حمص، وبعضهم مرتبط بـ«حزب الله»، هم اليوم نازحون في لبنان. وهناك أيضاً حالة مؤكدة واحدة على الأقل لمقتل سوري أثناء قتاله في صفوف الجماعة في لبنان. ويبدو أن هذه الشبكات لم تختفِ، بل تحوّل تركيزها الجغرافي.
عمق تكتيكي
من الأفضل قراءة مزاعم الدبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي، التي قال فيها إن «جماعات مسلحة مرتبطة بالجولاني» باتت اليوم تسهّل دعماً إيرانياً لـ«حزب الله» يفوق ما كان متاحاً خلال حكم الأسد، كتهويل خطابي. لكن ذلك لا يعني أن النفوذ الإيراني قد اختفى.
فإذا تطورت الحرب على إيران إلى مواجهة إقليمية طويلة الأمد تشمل لبنان، فإن طهران لم تعد قادرة على الاتكال على العمق الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به سابقاً في سوريا. غير أن ما تبقّى من النفوذ هو أكثر قابلية للتكيف مع الواقع الجديد: اصطفاف أيديولوجي، وشبكات بُنيت على مدى سنوات عبر تداخل روابط الجريمة والدين والعائلة والرعاية. وهي شبكات تميل إلى البقاء، ويمكن إعادة تنشيطها حين تسمح الظروف بذلك.