© syriaintransition.com

Cover image
الدبلوماسية

أفول دراسات الصراع

من الذي استفاد من حقل معرفيّ ارتبط بالهيمنة الغربية؟

قطاع كامل متخصص في دراسات الوساطة، وحفظ السلام، ونزع السلاح، والعدالة الانتقالية، قد أصبح إلى حدّ كبير منتهي الصلاحية. ويتساءل الباحثان فولفرام لاخر وإيفان غيشاوا في مراجعة نقدية: هل كانت دراسات النزاع، منذ بدايتها ربما، علماً إمبريالياً؟

من إقليم تيغراي في إثيوبيا إلى السودان وقطاع غزّة، خلّفت الحروب الأهلية وعمليات مكافحة التمرّد منذ مطلع عشرينيات القرن الحالي حصيلةً ثقيلة من القتلى والمهجّرين قسراً، لم يشهد لها العالم مثيل منذ الحرب الباردة. ومع ذلك، فإنّ الحقل الأكاديمي المعني بدراسة هذه النزاعات يبدو اليوم أبعد ما يكون عن الإسهام في تسويتها. فدراسات النزاعات ما هي إلّا وليدة مرحلة تاريخية عفا عليها الزمن، نشأت في عالم كان الباحثون الغربيّون يدرسون فيه حروباً تدور في أماكن بعيدة، وتتدخّل فيها دولهم.

لم يتضح مدى الارتباط الوثيق بين دراسة النزاع العنيف واللحظة الدولية الفريدة التي أفرزته إلا بعد أن انقضت تلك اللحظة. ففي عالم نادراً ما تضطلع فيه الأمم المتحدة بوساطات لتسوية النزاعات، ويقتصر فيه دور الدول الغربيّة في فرضها على استعراضات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما حاجتنا إلى فهم كيف تنتهي الحروب الأهلية أو سلوك المجموعات المسلّحة؟ لقد بات قطاع كامل متخصّص في الوساطة وحفظ السلام ونزع السلاح والعدالة الانتقالية، بحكم منتهي الصلاحية. زدّ على ذلك، أنّه مع تراجع نفوذ الجيوش الغربيّة والمنظّمات الدوليّة في ساحات النزاع حول العالم، يواجه الباحثون قيوداً أشدّ على عملهم الميداني، فيما يتراجع الطلب على نتاجهم البحثي.

غير أنّ أزمة دراسات النزاعات أعمق من ذلك بكثير. فعلى مدى ثلاثة عقود، افترض أنصار هذا الحقل عموماً أنّ الحكومات الغربيّة قادرة على إحداث تغيير نحو الأفضل، وأنها، رغم أخطائها أحياناً، تنطلق في الصميم من نوايا حسنة. غير أنّ تدخّلاتها العنيفة تحت راية مكافحة الإرهاب، وتغاضيها عن الفظائع الجماعية في سوريا واليمن، وتشديدها سياسات اللجوء، قوّضت تدريجياً هذا الحدّ الأدنى من التوافق.

ثم جاءت حرب غزة التي شكّلت صدمة غير مسبوقة، لتضرب اعتقاداً راسخاً لدى الباحثين بأنّ صانعي السياسات يتقاسمون معهم القيم نفسها. والأسوأ من ذلك أنّ هذا الحقل، بدل أن يرفع صوته كما فعلت تخصّصات أكاديمية أخرى، عاش انهياراً أخلاقياً من الداخل، فالتزم صمتاً مدويّاً إزاء القتل الجماعي المدعوم غربياً في غزة. فما الغرض إذاً من دراسة النزاعات؟ وماذا تكشف أزمتها عن كيفية تغيّر الحروب؟

نشأت دراسات النزاعات، بصيغتها الراهنة، أي بوصفها حقلاً يُعنى بفهم دوافع الحروب الأهلية والعنف السياسي ومآلاتهما، بالاستناد إلى تحليلات مقارنة على مستوى الدول، في تسعينيات القرن الماضي. قبل ذلك، أبّان خلال الحرب الباردة، كانت حركات التمرّد قضيّة يدرسها علماء اجتماع الثورات ومنظّرو الحركات الاجتماعية ونضالات التحرّر من الاستعمار. أماّ العلوم السياسية السائدة ودراسات الأمن، انصرفت حينها لمتابعة التنافس بين القوّتين العظمتين وشبح الحرب النووية، فيما ظلّت الحروب الأهلية موضوعاً على الهامش.

لكن مع انتهاء الحرب الباردة، انتشرت فجأة دراسات الحروب الأهليّة، واكتسبت اهتماماً متنامياً في أوساط الرأي العام الغربي. ساد آنذاك انطباع بأنّ «جزءاً كبيراً من العالم غير المتقّدم» يعيش «تآكلاً في الحكومات المركزية، وصعود كيانات قبليّة وإقليميّة، وتفشّياً للأمراض، وتفاقماً مطّرداً للحرب»، على حدّ تعبير المعلّق السياسي روبرت د. كابلان عام 1994. وفي العام التالي، أنشأت مجموعة من الساسة الغربيين والعاملين في المجال الإنساني وخبراء من مراكز البحوث القلقين من «الانفجار في عدد الأزمات حول العالم» منظمة اسمها «مجموعة الأزمات الدولية» سعياً إلى توظيف البحث العلمي في منع النزاعات على مستوى العالم.

غير أنّ هذا الانطباع بأنّ الحروب الأهليّة انتشرت فجأة لا تدعمه الوقائع. صحيح أنّ انهيار الكتلة الشرقيّة أطلق موجات ارتداديّة واسعة النطاق ومزعزِعة للاستقرار، تجلّت في نزاعات داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وفي التفكّك العنيف ليوغوسلافيا، فضلاً عن سقوط أنظمة في دول حُرمت فجأة من الدعم السوفياتي أو الأمريكي، مثل أفغانستان والصومال. إلّا أنّ انقضاء الحرب الباردة وضع، في المقابل، حدّاً لحروب الوكالة بين القوّتين العظمتين. إذ إنّ عدد الحروب الأهليّة بلغ ذروته في الواقع عام 1991، ثمّ أخذ في التراجع طوال العقد التالي. وباستثناء الإبادة الجماعية المروّعة في رواندا عام 1994، لم تكن تلك الحروب تزداد دمويّة. في تلك المرحلة، تولّت الأمم المتحدة والدول الغربيّة، أيّ ما كان يُعرف آنذاك بـ«المجتمع الدولي»، مهمّة التوسّط في اتفاقات سلام أنهت حروباً استمّرت عقداً من الزمن في كمبوديا والسلفادور وغيرها. وبين عامَي 1988 و1994، ارتفع عدد بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بأكثر من الضعف، فيما ازداد عديدها البشري سبعة أضعاف.

كان لجاذبية التدخّلات الإنسانية وعمليات بناء الدول دور محوري في نموّ حقل دراسات النزاعات. فالأسئلة حول إذا ما كان ينبغي التدخّل وكيفيّة القيام بذلك أشعلت نقاشات محتدمة، تحوّل أطرافها إلى شخصيّات عامة. وفي ما بعد، انكبّ المشاركون في تلك التدخّلات والذين راقبوها عن كثب على تأليف الكتبٍ والمقالات. ومعها، تكوّن رصيد معرفي يتناول الشروط التي تجعل عمليات السلام متعدّدة الأطراف قابلة للنجاح أو الفشل. وكان ما يُعرف بـ«الصراعات الإثنية» أحد العناوين الرئيسية لتسعينيات القرن الماضي. وقد سعى أكاديميون غربيون إلى تقديم تفسيرات عقلانية لما كانت وسائل الإعلام تصوّره في كثير من الأحيان على أنّه نتيجة أحقاد بدائية غير عقلانية.

من الأصوات التي برزت في تلك الفترة، كانت ماري كالدور، عالمة السياسة البريطانية والناشطة في مجال السلام التي عادت من زيارات إلى البلقان والقوقاز بفكرة مفادها أنّ نزاعات ما بعد الحرب الباردة تختلف نوعياً عن سابقاتها. فبحسب كالدور، لم تعد «الحروب الجديدة» تدور حول الأيديولوجيا بقدر ما تتمحور حول سياسات الهويةّ والنهب، فهي «خليط من الحروب... وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان... والجريمة المنظّمة». عبّر طرح كالدور عن نزعة واسعة داخل هذا الحقل البحثي، تميل إلى تبنّي موقف استعلائي ومُدين تجاه الدوافع التي يقاتل من أجلها أطراف النزاعات من غير الغربييّن. وقد تجلّى هذا المنحى بوضوح في التحليلات الاقتصادية القياسية شديدة التأثير التي طرحها بول كوليير وأنكه هوفلر. فقد صوّر الباحثان المتمرّدين على أنّهم مدفوعون، قبل كلّ شيء، بالجشع لا بالسياسة. واعتبرا أنّ النزاعات هي حصيلة حسابات باردة تجريها أطراف غير حكوميّة توازن بين كلفة الحرب ومكاسبها، إذاً تجاهلا ببساطة احتمال ضلوع الحكومات في إشعال العنف بالأساس. لم يكن هذا الطرح مجرّد نقاش أكاديمي معزول، فكوليير كان يرأس آنذاك إدارة البحوث في البنك الدولي، كما أسهمت التوصيات التي خلص إليها مع هوفلر في دعم الحكومات القائمة، وتكريس توجّهات البنك نحو تحرير الأسواق.

في الأوساط الأكاديمية، فجّرت بحوث كولير وهوفلر سيلاً من تحليلات الانحدار الإحصائي التي ربطت خطر اندلاع الحروب الأهلية بعوامل تمتدّ من الفقر إلى الخصائص الجغرافية، مثل وجود الجبال أو الغابات. تلك الخلاصات دفعت بهذا الحقل العلمي بعيداً جداً عن الموضوع الذي يدرسه. فلم يعد الباحث الصاعد الراغب في تقديم إسهاماته، بحاجة ليزور بلداً يعيش أتون الحرب، بل يكفيه أن يعالج البيانات من حرم جامعي داخل الولايات المتحدة .ومع ذلك، وعلى الرغم من هيمنة هذه المقاربات، فقد واجهت اعتراضات حادّة، ولا سيما من باحثين استندوا إلى أعمال ميدانية مباشرة.

نمت دراسات النزاعات على وقع التوسّع المتسارع في نطاق عمليات حفظ السلام. وبحلول أواخر التسعينيات، أخذت مبرّرات التدخّل تكتسب طابعاً أقرب إلى الخطاب التبشيري. فقد أوكل أنصار مبدأ «مسؤولية الحماية» إلى الحكومات الغربية مهمّة التدخّل لإنقاذ الدول الفقيرة من حروبها الهمجيّة. ومن البوسنة إلى تيمور الشرقية، تحوّلت التدخّّلات إلى هندسات اجتماعية، امتدت من العدالة الانتقاليّة إلى إصلاح قطاع الأمن وصياغة دساتير في مجتمعات منقسمة، وبناء الأمم. وما لبث أن أفرز كلّ جانب من هذه العمليات بدوره أدبيات فرعيّة كاملة.

قدّمت «الحرب على الإرهاب» دليلاً جديداً على عمق الارتباط بين تطوّرات هذا الحقل البحثي والسياسات الغربية. إذ تلقّت التدخليّة جرعة دعم تجاوزت بكثير حدود أفغانستان والعراق. وراح صانعو السياسات يبحثون عمّا وصفوه بـ«الدول الضعيفة» أو «الفاشلة» التي قد يأتي منها الهجوم المقبل. هكذا، نزاعات بعيدة، كان يُنظر إليها سابقاً على أنّها مشكلات إنسانية، باتت تُصنَّف كتهديد محتمل للأمن القومي، ما أضفى طابعاً أمنياً ثقيلاً على المساعدات التنموية. كما بات يُنظر إلى مع بعض المجتمعات (ولا سيما المسلمة) حول العالم على أنّها أكثر قابلية للانزلاق نحو التطرّف والعنف، وبالتالي في حاجة إلى اهتمام خاص.

ومع تحوّل الدول الغربية من حفظ السلام والتدخّلات الإنسانية إلى إستراتيجيات مكافحة التمرّد، رافقها هذا الحقل البحثي في الاتجاه نفسه. فانكبّ الباحثون على محاولة فهم أسباب نجاح المتمرّدين في كسب التأييد الشعبي وتأثير القمع الذي تمارسه الدول. كان هذا الإنتاج البحثي جدّ متنوّع، وكُتب جزء كبير منه من منظور نقدي، مسلّطاً الضوء في كثير من الأحيان على النتائج العكسية للتدخّلات الغربيّة ومشكّكاً في الافتراضات التي تقوم عليها. ومع ذلك، ظلّ هاجس التأثير في السياسات يطبع كامل هذا الحقل، حتى التيّارات التي كانت على هامشه.

كنّا جزءاً من هذه الاندفاعة الفكريّة، كلٌّ في مجاله التخصّصي (ديناميات الصراع في ليبيا ومنطقة الساحل، على التوالي). وفي ظلّ أسماء وازنة في حقلنا، أُتيحت لنا مساحة لنفهم بشكل أعمق الأماكن التي اخترنا دراستها قبل أن تستقطب قدراً واسعاً من الاهتمام الدولي، ولننخرط في نقاشات مقارنة شيّقة مع باحثين يعملون في أقاليم أخرى، ولنعرض بحوثنا في دوائر سياسات رفيعة المستوى. كان أرباب عملنا مسرورين بتوظيف بحوثنا لإبراز ما يسمّى بـ «الأثر البحثي». وبدا أنّ أصحاب النفوذ متحمّسون للاستماع إلى طيف واسع من المهنييّن، سواء باحثين أو صحافيين استقصائيين أو عاملين في المجال الإنساني أو وسطاء أو ممثّلين عن المجتمع المدني من الشمال والجنوب العالميين، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، فقد مُنحنا جميعاً الفرصة لإبداء الرأي في هذه النقاشات، بما أوحى بأنّ خيارات السياسة الخارجية هي ثمرة صناعة قائمة على القيم والمعرفة.

من منظور أكاديمي بحت، أفضت الاعتراضات على المقاربات المبسّطة للنزاعات العنيفة التي طرحها كوليير وهوفلر وكالدور، إلى نقاشات علميّة حيويّة. إذ بدأ الباحثون يتعاملون مع العنف السياسي بوصفه ظاهرة قائمة بحدّ ذاتها، لا مجرّد «ارتفاع في حرارة الصراع»، وهو اختراق نظري مهّد الطريق أمام مسارات بحثية جديدة. طُوّرت أدوات لتحليل سلوكيات المتمرّدين من مختلف الزوايا، طالت طبيعة عنفهم وأنظمة حكمهم المحلّية وارتباطاتهم الخارجية وقدرتهم على التماسك أو قابليتهم للتفتّت، ومنافستهم لخصومهم، وتحوّلاتهم بمرور الوقت.

بدا وكأنّنا محقّقون نفكّ ألغازاً آنية، باحثين عن إجابات لأسئلة مثل: لماذا ينهب المتمرّدون هنا ولا يفعلون ذلك هناك؟ لماذا تنخرط هذه المجموعة في العنف الجنسي فيما تمتنع أخرى عن ذلك؟ ومن خلال تحليل دقيق يراعي حساسية السياق، تمكّنا من تجاوز التعميمات والنماذج الاحتمالية التي طبعت أعمال من سبقونا، والمساهمة في ترسيخ فهم أعمق لأسباب العنف السياسي. وكان التمويل متاحاً آنذاك لدعم أجنداتنا البحثية .لعلّ أكثر ما يلفت في نقاشاتنا مع صانعي السياسات في باريس وبروكسل وبرلين ولندن وواشنطن أنّنا لم نكن مضطّرين للمجاملة. فمعارضتنا المنطلقة عن خبرة، ضدّ الحلول الجاهزة ذات المقاس الواحد في بلدان خضعت للتدخّلات الغربيّة، كانت تتّخذ طابعاً نقدياً صدامياً، من دون أن يفسد ذلك للوّد قضية.

لكن ذلك لا يعني أنّنا كنّا سذجاً. فقد تساءلنا بلا شكّ عن طبيعة المعرفة التي كنّا ننتجها. ووجدنا أنفسنا عالقين بين عالم السياسات وعالم المجتمعات التي ندرسها، وهي مجتمعات لا ننتمي إليها أصلاً. لقد أدركنا أنّ حضورنا في اجتماعات رفيعة المستوى في «الشمال العالمي» كان في كثير من الأحيان مجرّد استيفاء شكلي، لا يعكس اهتماماً حقيقياً بمضمون رسائلنا. كانت المؤتمرات السياسية الدولية، أو أقلّه جلساتها العلنية العامّة، أشبه بمسارح، يؤكّد فيها الجنرالات الذين يقودون عمليات مكافحة التمرّد أنّ الحملات العسكرية تعتمد على تعاون السكّان المحلّيين، فيما يحذّر باحثون وناشطون من مخاطر الميليشيات المدعومة من الدول أو من سياسات الهجرة غير الليبرالية في الاتحاد الأوروبي، فيتلقّون إيماءات مؤيّدة.

حتى في الأماكن التي عبّر فيها المشاركون عن اهتمام متبادل، كنّا ندرك أنّ قرارات السياسة الخارجيّة الفعليّة تُتّخذ في مواقع أخرى، وعلى مستويات أعلى بكثير منّا ومن الموظّفين البيروقراطيين البشوشين الذين نتحاور معهم، ووفق اعتبارات تكاد لا تمتّ بصلة إلى تبادل المعرفة الذي كنّا جزءاً منه. شكّل قرار الرئيس إيمانويل ماكرون، لدى تولّيه منصبه عام 2017، مواصلة التدخّل الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي الذي ورثه عن سلفه، مثالاً ساطعاً على صناعة القرار بمعزل عن آراء الدبلوماسيين وموظَفي وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية. فقد أطال ماكرون سدى أمد الوجود العسكري الفرنسي، وارتكب سلسلة من الهفوات الدبلوماسية التي عكست نزعة استعلائية، بالإمكان تفاديها. ومع ذلك، توافرت كثير من الفرص لمشاركة نتائج البحوث مع صانعي السياسات. كنّا نفترض أنّ مثل هذه التبادلات قد تشقّ طريقها إلى أعلى الهرم في نهاية المطاف وتؤثّر في عملية صنع القرار، وقد شكّل ذلك ركناً أساسياً في عملية تطوّر دراسات النزاعات. غير أنّ هذا الافتراض سرعان ما تهاوى.

ما أن بلغت دراسات النزاعات أوجّ ازدهارها، حتى انتشر في الغرب شعور واسع بخيبة الأمل من التدخّلية العالمية ذات الطموحات الكبرى. فقد تسبّب إخفاق مشاريع بناء الدولة المفروضة من الخارج في أفغانستان والعراق باستنزاف الجيوش في حروب بلا نهاية، وصولاً إلى الانسحاب الفوضوي من كابول عام 2021. أمّا بعثات الأمم المتحدة المتضخّمة ومتعدّدة الأبعاد، فلم تنجح في أفضل الأحوال، سوى من تجميد بعض النزاعات، وغالباً ما عجزت حتى عن ذلك. وبالتالي، بات التدخّل عن بعد النموذج المفضّل. في عهد باراك أوباما، فضّلت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة بدل إرسال قوّات بريّة ودعمت القوات الكردية في قتال تنظيم «الدولة الإسلامية». في المقابل، لجأ الأوروبيون إلى تمويل دول أفريقية لتتولى بعض أخطر مهام حفظ السلام في مالي والصومال. آنذاك، احتفى مؤيدو هذا النهج بالنصر عندما نجحت الحملة الجويّة التي قادها حلف شمال الأطلسي عام 2011 في ليبيا بالإطاحة بمعمّر القذافي بسرعة خاطفة، غير أنّ انزلاق ليبيا اللاحق إلى الفوضى سرعان ما قوّض مصداقية هذا النموذج هو الآخر. كما بدأت فرص انخراط الدول الغربيّة في أزمات الجنوب العالمي تتقلّص. تلى ذلك تدهور العلاقات مع روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2014، ما شلّ مجلس الأمن الدولي وعطّل أنماطاً راسخة من إدارة النزاعات متعدّدة الأطراف. في ذلك الوقت، بدأت روسيا وقوى في الشرق الأوسط التي هزّتها انتفاضات عام 2011، تتدخّل في النزاعات الإقليمية.

في آب/ أغسطس 2014، أشعل حدث بدا في حينه هامشياً شرارة مرحلة جديدة، إذ أرسلت الإمارات العربية المتحدة سراً طائرات مقاتلة لقصف ميليشيات محلّية في خضم الحرب الأهليّة في ليبيا. وبرغم كونها في الظاهر حليفاً للولايات المتحدة، لم تتكبّد أبوظبي عناء إخطار الأمريكيين بتدخّلها في قارة أخرى. وعلى مرّ الأعوام التالية، واصل الدعم الإماراتي والمصري لأمير الحرب الليبي خليفة حفتر تقويض الجهود التي قادتها الأمم المتحدة بمساندة الغرب للتوصّل إلى تسوية سياسية. أعقب ذلك تدخّل روسيا في سوريا عام 2015، ثم مغامرات «مجموعة فاغنر» في السودان عام 2017 وجمهورية أفريقيا الوسطى عام 2018. وسرعان ما تنامت التدخّلات الروسية والإماراتية والتركية عبر القارة الأفريقية.

في تلك الأثناء، تبدّل سريعاً موقف الدول الغربية الإنساني تجاه الحروب في الجنوب. ففي وقت كان مئات القتلى يسقطون في سوريا على أيدي بشّار الأسد وحلفائه الخارجيّين، تحوّلت الأولويات الغربيّة هناك نحو مكافحة الإرهاب واحتواء تدفّق اللاجئين. في غضون ذلك، أسفرت الهجمات المدعومة أمريكياً لاستعادة الموصل والرقة من تنظيم الدولة الإسلامية عن مستوى غير مسبوق من الدمار الحضري، يضاهي نتائج القصف الروسي لحلب. وفي اليمن، زوّدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التحالف الذي تقوده السعودية بالأسلحة، رغم قصفه مستشفيات وبنى تحتية مائية، وتوظيفه التجويع كسلاح في الحرب. وعلى الرغم من أنّ التزام الغرب بما يُسمّى بـ «النظام القائم على القواعد» لطالما كان محكوماً باعتبارات الواقعية السياسية، فحتى ادّعاء وجود مثل هذا النظام بات أمراً صعباً.

شكّلت منطقة الساحل الأفريقي آخر معاقل التدخّلية الغربية، حيث قادت فرنسا مسعاً أشبه بمحاربة طواحين الهواء، لدعم حكومات ضعيفة في مواجهة تصاعد حركات التمرّد الجهادية، عبر حزمة «شاملة» من الإجراءات الرامية لترسيخ الاستقرار ومن خلال بعثات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. غير أنّ سلسلة من الانقلابات العسكرية، بدءاً من عام 2020، أطاحت بتلك الحكومات. وفي دولة تلو الأخرى، عمدت السلطات الجديدة إلى طرد القوّات الفرنسية وقوّات حفظ السلام، متّجهة إلى روسيا لتمدّها بالمدرّبين، وإلى تركيا للحصول على السلاح. وإلى الشرق، في السودان، اكتفت الدول الغربية بدور المتفرّج فيما انخرطت الإمارات ومصر وتركيا وإيران وروسيا بدعم أطراف متقابلة في الحرب الأهلية. ولم تعتبر الولايات المتحدة ولا أوروبا أنّ أكبر أزمة نزوح في العالم تستحق تعكير صفو علاقاتهما مع حلفاء مثل الإمارات. هكذا انقضى عهد التسويات التي ترعاها الأمم المتحدة وجهود الاستقرار المدعومة غربياً، فيما عادت الفظائع المرتكبة بحق المدنيين إلى الارتفاع من جديد.

استوعبت دراسات النزاعات هذا التحوّل في المزاج العام ببطء وعلى مضض. وقد لمسنا ذلك بأنفسنا في أحاديثنا مع مسؤولين في دوائر صنع القرار في الدول الغربية، حيث بدأ بعضهم يعبّر عن تأييده للأساليب العنيفة التي انتهجتها القوى غير الغربية الصاعدة في تدخّلاتها. كان ذلك في وقت وصف فيه إيمانويل ماكرون روسيا بأنّها شريك في مكافحة «الإرهاب الإسلامي». خلف الأبواب المغلقة، عبّر بعض المسؤولين العسكريين الأوروبيين عن أسفهم لإحجام الغرب عن تزويد جيوش الساحل بما تحتاجه من عتاد فتّاك وذخائر، بعد أن وجدت بديلاً لدى شركائها الجدد في روسيا الذين لم يشترطوا عليها أي بنود تتعلّق بحقوق الإنسان.

على مدى عقدين، ساد توافق بين علماء السياسة والاستراتيجيين العسكريين على أنّ كسب «القلوب والعقول» هو مفتاح مكافحة التمرّد، وأنّ العنف العشوائي يأتي بنتائج عكسية. غير أنّ هذا التوافق بدأ يتصدّع، بما في ذلك داخل حقل دراسات النزاعات نفسه. فبالعودة إلى حرب روسيا في الشيشان، وإلى حملات مكافحة التمرّد المدعومة غربياً أيام الحرب الباردة، بدأ بعض الباحثين يقولون إنّ استخدام القوة الغاشمة ضدّ المدنيين، يمكن أن ينجح.

اتّخذت الخلافات في الاجتماعات مع المسؤولين منحى حادّاً أحياناً، وبدأنا نلحظ تسلّلاً لآراء غريبة عن العالم الذي ظننّا أننّا نتقاسمه معهم، بما ذلك أوهام اليمين المتطرّف مثل «نظرية الاستبدال العظيم». كما أنّ النزعة المعادية للمفكّرين التي تسود في بعض أوساط الطبقة السياسية حوّلت مناسبات تبادل الأفكار إلى حوارات عبثية ومهدِرة للوقت. وقد اختبر أحدنا ذلك في خلال جلسة استماع رسمية عبر الإنترنت، انضمّت إليها نائبة فرنسية وهي تقود سيارتها، وقد أبدت فتوراً، بل ازدراء، لما عرضناه من طروحات، رغم أنّها لم تكن طروحات مثيرة للجدل. كان من الصعب ألّا نرى في تلك اللحظة المحرجة دلالةً على تحوّل عميق. فقد اتّسعت الفجوة بين مجتمعنا الفكري والمؤسّسات التي كانت أسهمت يوماً في بنائه.

ترافق تآكل النظام التدخّلي الليبرالي مع تراجع سريع في قدرة الباحثين على الوصول إلى مناطق النزاع. ففي السابق، كان البحث الميداني يتركّز، على نحو غير متكافئ، مناطق النزاع التي تحظى فيها الدول الغربية بحضور وازن، وهو ما ارتبط جزئياً باهتمام الرأي العام. كما أتاحت الوظائف الاستشارية لدى المنظّمات المرتبطة بصورة أو بأخرى في تلك التدخّلات، قناةً للحصول على التمويل والوصول الميداني. وحتى في الحالات التي خلت من رابط مباشر من هذا النوع، كان الباحثون ينجحون في كثير من الأحيان في الاستفادة من رحلات الأمم المتحدة للوصول إلى مناطق نائية. كذلك وفّر نفوذ الدول الغربية وعلاقاتها الوثيقة بالسلطات المحلّية قدراً من الحماية، إذ كانت الأجهزة الأمنية تتعامل عادةً بحذر مع الأجانب الفضوليين.

ومع تفكّك ذلك النظام، أصبحت مناطق حرب كثيرة محظورة على الباحثين، وانحسرت البنية التحتية للتدخّل متعدّد الأطراف، فيما توسّعت حركات التمرّد الجهادية. وأضحت الأماكن التي تنشط فيها «مجموعة فاغنر» كمقدّم لخدمات الأمن، أو التي تسلّح فيها الإمارات ميليشيات محلّية، بيئات معادية للبحث الميداني. حتى الدول السلطوية التي كانت تُعدّ حليفة للغرب بدأت تظهر تشدّداً أكبر في ازدرائها للباحثين القادمين من الشمال. ففي مصر، اتُّهمت أجهزة الأمن بتعذيب طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني وقتله عام 2016. وفي عام 2018، احتجزت الإمارات طالب دكتوراه بريطانياً لأشهُر بتهم تتعلّق بالتجسّس. وفي الوقت ذاته، شدّدت الجامعات إجراءاتها البيروقراطية إلى حدٍّ كبير قبل السماح للباحثين بإجراء دراسات في بيئات محفوفة بالمخاطر.

استجاب تخصصّنا لهذه التحوّلات بإسناد جمع البيانات الميدانية إلى باحثين محليين، على الرغم من أنهم كانوا يواجهون في كثير من الأحيان مخاطر أكبر من نظرائهم الغربيين، ومن دون أن يحظوا بالمستوى نفسه من الرعاية المؤسسية، بحكم عملهم كمتعاقدين فرعيين. كما لجأ الباحثون إلى تقنيات البحث عن بعد، مثل تحليل وسائل التواصل الاجتماعي أو الاستشعار عن بعد. غير أنّ هذه الأدوات، وإن كانت مبتكرة وقيّمة، تبقى غير قادرة على تعويض غياب الانخراط المباشر في مجتمع يعيش أتون الحرب. فقد تحوّل البشر الكائنين في قلب هذه النزاعات، إلى أرقام في جداول بيانات. في عالم ما بعد الهيمنة الغربية، كان هذا التخصّص الاجتماعي غربي الهوى، يخسر عمقه.

وإذا ما استثنينا هذه التكيّفات المرتجلة، واصلت دراسات النزاعات مسيرتها إلى حدٍّ كبير كما كانت من قبل، منشغلة بالأسئلة ذاتها تقرياً، من دون التوقّف كثيراً على تآكل النظام الدولي الذي أتاح نشأتها. وكان هذا أيضاً ردّ فعل الحقل حين واجه أكبر تحدٍّ حتى الآن للرؤية الكونية التي قام عليها. غير أنّ هذا التحدّي لم يأتِ هذه المرّة من قوى سلطويّة صاعدة تتبنّى تدخلية جديدة، بل من داخل الغرب نفسه، نتيجة دعم الحكومات الغربية لحملة الإبادة الإسرائيلية في غزة.

كانت الدعوة إلى منع الفظائع الجماعية التي شكّلت ركيزة أساسيّة لنشأة دراسات النزاعات في تسعينيات القرن الماضي قد افترضت توزيعاً واضحاً للأدوار. إذ صوّرت «الأشرار» على أنّهم أمراء حرب في يوغوسلافيا السابقة، أو حكّام دكتاتوريون في أفريقيا والشرق الأوسط، أو إرهابيون ملتحون متعصّبون. أمّا الحكومات الغربية، فكان يُناط بها وفق هذه السرديّة، وضع حدّ للمجازر أو الحؤول دون وقوعها، حتى وإن كانت أحياناً متباطئة أو تحتاج إلى من يدفعها للتحرّك. اليوم، تدعم هذه الحكومات نفسها حرب إسرائيل التدميرية في غزة، فيما تتظاهر بأنّ شيئاً لم يكن. ولعل أحداً لم يجسّد هذا الانقلاب في الأدوار أكثر من سمانثا باور التي كانت من أوائل المحلّلين الملتحقين بـ«مجموعة الأزمات الدولية»، ثم برزت لاحقاً كأحد أبرز المدافعين عن مبدأ «مسؤولية الحماية». حتى في ذلك الوقت، واجهت باور انتقادات على خلفيّة تنديدها بتقاعس الولايات المتحدة إزاء القتل الجماعي الذي ترتكبه دول أخرى، مقابل تجاهل الحالات التي ساهمت فيها واشنطن بصورة مباشرة في ارتكاب الفظائع أو دعمتها. وقد بدا هذا التناقض أكثر حدّة حين دافعت باور التي كانت تشغل منصب مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إدارة بايدن، علناً عن حكومتها بوصفها «أكبر مزوّد منفرد للمساعدات إلى الشعب الفلسطيني»، في وقت كانت تموّل إسرائيل وتسلّحها لتدمير غزة.

لم يكن ينبغي أن تُفاجئ هذه المعايير المزدوجة الصارخة لدى القادة الغربيين أحداً في ظلّ مناخ سياسي يتّجه أكثر فأكثر نحو اللاليبرالية والعنصرية الواضحة سواء في الاتحاد الأوروبي أو أمريكا الشمالية. غير أنّ ما صدمنا، وإن كان أقلّ تأثيراً على المستوى العالمي، هو الصمت المدوّي لحقلنا البحثي إزاء غزة. فباستثناء عدد قليل من الأشخاص، لزم أبرز علماء هذا التخصّص الصمت. وهو تحوّل لافت مقارنةً بكيفية انخراط هؤلاء العلماء أنفسهم في حروب سابقة شغلت الرأي العام، مثل حرب أمريكا على الإرهاب أو الغزو الروسي لأوكرانيا. وبعد أن فقدت دراسات النزاعات صلتها بأحد أهم جماهيرها المؤسّسية، يبدو أنّ باحثيها باتوا يفقدون أيضاً صلتهم بأخلاقياتهم المهنية أيضاً.

منذ اندلاع الحرب في غزة، نجحت حملات الإلغاء والفصل من العمل والتشهير في كبح الانتقادات الموجّهة لإسرائيل داخل الجامعات، وفي ترسيخ مناخ من الرقابة الذاتية، لا سيما في الولايات المتحدة وألمانيا. ومع ذلك، ظلّت دراسات النزاعات صامتة على نحو لافت، بخلاف تخصّصين قريبين احتدم فيهما النقاش: دراسات الإبادة الجماعية والقانون الدولي. في حقل دراسات الإبادة، وجّه عدد من الباحثين انتقادات حادّة لما اعتبروه صمت زملائهم، وذهبوا إلى حدّ إعلان عقم تخصّصهم بعد عجزه عن رؤية ما يحدث في غزة على حقيقته. أما باحثو القانون الدولي، فاعتبروا غزة ضربة قاصمة لسبب وجود تخصّصهم من أساسه، وسخر بعضهم من الاستمرار بالعمل كالمعتاد، معلّقين «هناك دائماً مؤتمر جديد لنحضره». ومع ذلك، تصاعدت داخل الحقلين أصوات قيادية سعت إلى التأثير في النقاش العام ومواجهة التداعيات المقلقة على المجالين الأكاديميين. في المقابل، في حقل دراسات النزاعات، جاءت المحاولات النادرة في هذا الاتجاه من باحثين في مراحل مبكرة من مسيرتهم، فيما اكتفى آخرون، ونحن من بينهم، بالتعبير عن استيائهم بشكل فردي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لا يمكن لعوامل الترهيب وحسابات المسار المهني وحدها أن تفسّر صمت حقل دراسات النزاعات. فهذا الصمت يعكس أيضاً رؤية متجذّرة داخل هذا الحقل البحثي، ترى أنّ الفظائع الجماعية يرتكبها «أشرارٌ» في أماكن بعيدة، وليس ديمقراطيات ليبرالية وبدعم كامل منها. إنّ التخلّي عن تلك الرؤية يطرح علامة استفهام حول علاقة هذا الحقل بالسياسات من أساسها، ويطال علّة وجوده، ما يقوّض مصداقيتنا. فلماذا ندرس الفظائع في أفريقيا ولا نفعل الشيء نفسه في غزة؟ كما يطرح سؤالاً يطاردنا اليوم: هل كان عملنا مجرّد أداة لخدمة الهيمنة الغربية؟ وهل كانت دراسات النزاعات، ولو من دون قصد، علماً إمبريالياً؟

ما سيحدث لاحقاً في مجال دراسات الصراع مسألة ثانوية إلى حدٍّ كبير. فحيّزنا يتقلّص. الوظائف الأكاديمية والتمويل البحثي يتلاشيان، كما يتراجع الطلب في دوائر السياسات على الخبرة الدقيقة المتخصّصة بكلّ بلد. وكثيرون منا لن ينجوا مهنياً. بعض الباحثين سيعيدون ترتيب أجنداتهم البحثية بما ينسجم مع أولويّات اللحظة السياسية، فيركّزون على تنافس القوى الكبرى، والتهديدات الهجينة، وتحوّلات الحروب بين جيوش متقدّمة تكنولوجياً، فيما يعالجون كمّيات هائلة من البيانات المستخرجة من الفضاء الرقمي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وآخرون سينكفئون إلى أبراجهم العاجية. أمّا الذين ما زالوا يؤمنون بدراسة الديناميات الاجتماعية الوعرة، وبالفكرة القائلة إنّ «نظرية الحرب ينبغي أن تُستقى من حيث تُعاش، لا من عوالم بعيدة عن ميدانها»، على حدّ ما كتبته عالمة الأنثروبولوجيا منيرة خياط مؤخّراً في دراسة لافتة عن جنوب لبنان، فسيتعيّن عليهم أن يفكّروا ملياً في كيفية الحفاظ على جدواهم.

إن افتراض الاستقلال عن دوائر السياسات المشبعة بالتحيّز يبدو ضرورة ملحّة، لكن يترتّب عليه ثمن باهظ. فالذين ما زالوا يطمحون إلى التأثير في القرار السياسي قد يتعيّن عليهم التسليم بأنّ الهمس في آذان الدبلوماسيين لم يعد وسيلة ذات جدوى لتحقيق ذلك، هذا إن كان يوماً كذلك. قد يكون المسار المنطقي هو تكريس مزيد من الجهد لبناء أجندات معرفيّة مستنيرة وتقدّمية موجّهة إلى جمهور أوسع. غير أنّ ذلك يطرح تحدّيات أكبر من مجرّد عرض البحوث بأساليب أكثر جاذبية، إذ يقتضي الانخراط في فضاء عام محتدم، مثقل أصلاً بالأزمات الداخلية والحروب الثقافية. وفي هذا السياق، تجد دراسات النزاعات، ومعها العلوم الاجتماعية على نطاق أوسع، نفسها مدفوعة إلى إعادة التفكير في سبل البقاء وقدرتها على الإسهام بفاعلية في النقاشات العامة.

نُشر هذا المقال في مجلة «ديسنت» Dissent (شتاء 2026)، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم.

العودة إلى الأعلى

الدبلوماسية

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية