سوريا المدن الصغيرة
إدارة الدولة السورية تتأثر بتكتلات هيئة تحرير الشام المتجذّرة في الولاءات المحلية
لم يصعد الرجال الذين يحكمون سوريا اليوم عبر مؤسسات رسمية، بل خرجوا من رحم شبكات قرابة راسخة في إدلب وحماة ودير الزور. تلك الولاءات المناطقية، التي شكّلت أدوات فعّالة خلال سنوات الثورة، نُقلت بحذافيرها إلى بنية الدولة الناشئة. ما كان متماسكاً في زمن الحرب، قد يصبح أكثر تعقيداً في زمن السلم.
ليس من السهل فكّ شيفرة بنية السلطة داخل «هيئة تحرير الشام» بمجرد مطالعة المسميات الوزارية أو قراءة البيانات الرسمية. فالواجهة الظاهرة تخفي وراءها تراكماً كثيفاً من العلاقات: مصاهرات، ولاءات مناطقية، وشبكات زبائنية بُنيت على مدى سنوات. لفهم النظام الذي يقوده اليوم الرئيس أحمد الشرع، ينبغي العودة إلى البدايات الأولى لـ«جبهة النصرة»، مروراً بترسيخ نفوذها في إدلب، وصولاً إلى مرحلة الانتقال التي أعقبت سقوط نظام الأسد. فقد رسّخت السنوات التأسيسية أنماط نفوذ ما زالت تحدد معالم هيكل السلطة في سوريا اليوم.
الأساس: مشروع عائلي
منذ انطلاقتها، لم تكن «جبهة النصرة» مجرد فصيل مسلّح يسعى إلى التفوق العسكري، بل مشروعاً قادته نخب ريفية طامحة إلى توسيع نفوذها. صحيح أن عقيدتها السلفية شددت على الطاعة الصارمة للقيادة – وهي عقيدة مفيدة في سياق تنظيمي – غير أن منهجها العملي كان اجتماعياً أكثر منه عقائدياً: استقطاب رجال يتمتعون بمكانة راسخة داخل مجتمعاتهم، وجعل نفوذهم جسراً يربط الهيئة بحواضنهم المحلية.
كانت بلدة الشحيل في دير الزور أولى ساحات الاختبار. هناك لعبت عائلة الهجر – إحدى أبرز عائلات عشيرة البوكامل من قبيلة العقيدات – دوراً محورياً في ترسيخ وجود الهيئة في المحافظة الشرقية. فقد أسس الشرع «جبهة النصرة» هناك، وأقام في منزل أحد رفاقه الاوائل والذي استشهد لاحقاً، علي حسين المخلف (أبو محمد الشحيل)، أحد وجوه عائلة الهجر. ومن حول تلك العائلة تشكّلت نواة من العلاقات امتدت لاحقاً إلى مفاصل الدولة الجديدة: الدكتور يوسف الهجر، مسؤول كبير في الخارجية السورية، وأحمد الهجر وبلال خضر الهجر، رئيسا أمانة الشؤون السياسية في دير الزور ودمشق على التوالي، وابن عمهم حسين السلامة (أبو مصعب الشحيل)، مدير جهاز الاستخبارات العامة.
لم يكن ذلك مصادفة. فالمنطق كان بسيطاً: كسب ولاء عائلة محافظة متجذّرة ذات امتداد عشائري واسع يعني امتلاك قاعدة اجتماعية كاملة. وقد تكرّر النموذج في ريف إدلب وحماة وحلب وحمص ودرعا. فالمعيار لم يكن الالتزام الأيديولوجي فحسب، بل أيضاً النَسَب والمكانة الاجتماعية والقدرة على تحريك شبكات القرابة. هكذا تشكّلت «النواة الصلبة» التي مكّنت التنظيم من التغلغل في المجتمع دون إثارة ردود فعل عنيفة كتلك التي أطاحت بمنافسين أكثر بطشاً مثل تنظيم الدولة الإسلامية.
سنوات إدلب: صعود الكتل
مع ترسخ «جبهة النصرة» في إدلب، تطوّر حال الصعود الاجتماعي للنخب الريفية. فبدلاً من تجنيد أفراد، جرى توطيد كتل عائلية كاملة قادرة على أداء أدوار عسكرية وأمنية واقتصادية في آن واحد.
في بنّش بريف إدلب، برز قتيبة بدوي (المغيرة) وشقيقه حذيفة بدوي (أبو حفص) بوصفهما شخصيتين محوريتين. قتيبة، وهو طبيب أسنان وابن أحد وجهاء البلدة، تحوّل إلى مشرف على المعابر الحدودية وأمير اقتصادي فعلي لإدلب. أما حذيفة، فانتقل من مهام عسكرية إلى قيادة أمنية، وصولاً إلى منصب نائب لأنس خطّاب (وزير الداخلية حالياً) في جهاز الأمن بإدلب. وقد ارتبط خطّاب، المنحدر من جيرود بريف دمشق، بتحالف وثيق مع تكتل بنّش، كما ارتبط به أيضاً الشيخ عبد الرحيم عطون، مستشار الرئيس للشؤون الدينية.
وفي مدينة إدلب، شكّلت عائلة السيد عيسى رافعة أخرى لترسيخ نفوذ الهيئة. فالدكتور قصي السيد عيسى أشرف على أحد أكبر مستشفيات المحافظة، فيما انخرط قتيبة ومسلم السيد عيسى في العمل الإغاثي، ما منح التنظيم رصيداً في مجال الخدمات العامة. وفي تفتناز، انشقّ القيادي في «أحرار الشام» أبو صالح الطحان والتحق بالهيئة لأنه رفض تلقي الأوامر من علي العمر، الذي اُختير زعيماً للحركة عام 2016 وهو أيضاً من تفتناز ولكن من عائلة أقل نفوذاً من آل الطحان. كانت تلك الحادثة دليلاً على أن المكانة الاجتماعية قد تكون حاسمة بقدر الأيديولوجيا.
لم تغب مقاومة العائلات الكبرى لتوسع نفوذ الهيئة، لكنها أُديرت بمهارة من قبل الشرع. ففي جرجناز، قاد الشيخ حسن الدغيم وأخوته السبعة تمدّد الهيئة، غير أن التنظيم عمد إلى تمكين عائلات أصغر في نفس البلدة لتقليص نفوذ آل الدغيم، قبل أن يتوصّل الطرفان إلى مصالحة عام 2020. واليوم يُعدّ الشيخ حسن الدغيم من أبرز المدافعين عن الحكومة في الإعلام.
ومن تجربة إدلب تبلورت كتل واضحة: تكتل بنّش وتكتل الشحيل. أما البلدة الثالثة التي أنجبت تكتلاً مؤثراً فهي حلفايا في ريف حماة، مسقط رأس «أبو حسن 600» المعروف اليوم بمرهف أبو قصرة، وزير الدفاع. ومن بلدة مجاورة خرج علي نور الدين النعسان، رئيس الأركان.
وإلى جانب هذه الكتل، برزت تكتلات أصغر لكنها مؤثرة: كتلة شمال حلب بقيادة عبد الرحمن سلامة (أبو إبراهيم)، محافظ الرقة حالياً؛ وكتلة جنوب حلب بقيادة أبو أحمد زكور، مستشار الرئيس لشؤون العشائر؛ وتجمع جبل الزاوية الذي ارتبط بأحمد عيسى الشيخ، الذي يشغل رتبة عميد في الجيش السوري.
ما بعد الأسد: الكتل تتحول إلى أجنحة
مع سقوط نظام الأسد وظهور نظام جديد تقوده هيئة تحرير الشام، تشكّلت الكتل المختلفة في ما يشبه «أجنحة الدولة» تحت إشراف الدائرة المقرّبة من الشرع. وقد أُسندت إلى هذه الكتل قطاعات من الدولة لإدارتها، بل إنّ كتلةً واحدة كانت تهيمن أحياناً على قطاعٍ كامل. ومع اتساع المسؤوليات تتزايد المكاسب، ولكن تتزايد أيضاً المنافسات التي كانت في السابق محصورة في إدلب، قبل أن تمتد اليوم إلى مختلف مفاصل الحكومة.
برز «الجناح الاقتصادي» بوصفه الأقوى. فقد تولى حازم الشرع، شقيق الرئيس، إدارة الصندوق السيادي وهيئة الاستثمار. وأشرف قتيبة بدوي على المعابر البرية، متحكماً بالاستيراد والتصدير والجباية. فيما برز أبو مريم الأسترالي وأبو عبد الرحمن الزربة في القطاع المصرفي وإدارة العملة. وشكّل هؤلاء هرمية اقتصادية محكمة تمسك بمفاصل المال العام.
ويتولى الجناح السياسي بقيادة أسعد الشيباني وزارة الخارجية وأمانة الشؤون السياسية، مع إشراف مباشر أو غير مباشر على كل ما له علاقة بالتعاون الدولي، بما في ذلك الصحة والتعليم والإدارة المحلية والتعليم العالي والثقافة والإعلام.
أما الجناح العسكري فبقي مرتكزاً على كتلة حماة، محتفظاً بمواقع القيادة العليا. وبعد حملات مكلفة على الساحل والسويداء، طالبت كوادر إدلب العسكرية باعتراف أكبر، فحصلت على تعيينات بارزة: فضل الله الحجي قائداً للمنطقة الوسطى، وأبو صالح الطحان في الغرب، وأحمد عيسى الشيخ في الجنوب.
ويمثل الشيخ عبد الرحيم عطون ومظهر الويس الجناح الأيديولوجي، رغم تعرضهما لانتقادات من متشددين يرون في براغماتيتهما تنازلاً عن الثوابت.
أما الجناح الأمني فهو يساعد في الحفاظ على توازن بين مختلف الأجنحة الأخرى ويضم أنس خطاب، وحسين السلامة، ومروان العلي (أبو محجن)، الذي عُيّن أخيراً مسؤولاً أمنياً في الحسكة.
إدارة المحسوبية
اليوم، يرفع القادة القدامى في هيئة تحرير الشام سقف مطالبهم. فقد تركزت مفاصل القوة الاقتصادية بصورة غير متوازنة في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، ما عزز شعوراً متنامياً بأن ثمار «النصر» يجري احتكارها. ومن هنا تتردد في أروقة دمشق أحاديث عن تعديل وزاري مرتقب، واحتمال تراجع أشقاء الرئيس عن بعض المواقع الأكثر بروزاً.
إدارة التوازنات بين النخب ليست أمراً مستجداً في بلد تتجذر فيه الولاءات المحلية والعشائرية. غير أن التحدي الذي يواجه الرئيس الشرع يتجاوز مجرد إعادة ترتيب الحصص بين رفاق الأمس؛ إذ يتعلق بالسؤال الأعمق حول ما إذا كان نظام الولاءات الذي نشأ في سياق ثورة مسلحة قادراً على الانسجام مع منطق الدولة ومؤسساتها. فشبكات القرابة قد تنجح في تثبيت النفوذ وضبط الإيقاع الداخلي، لكنها لا تُعرف بقدرتها على إنتاج إدارة للدولة شفافة وفعالة. وربما يصمد، في المدى القريب، توازن تفاوضي بين كتل يجمع قادتها ماضٍ ثوري مشترك. إلا أن هذا التوازن يظل بديلاً هشاً عن نظام مؤسسي راسخ يقوم على الكفاءة والاستحقاق.