الليرة الجديدة: صفران أقل.. وحيرة أكثر
تخلّصت الأوراق النقدية السورية الجديدة من صفرين ومن صور عائلة الأسد، لكنها لم تتخلّص من قدرتها على إرباك السوريين والزوار.
أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 293 لعام 2025 لإطلاق العملة الوطنية الجديدة، على أن يبدأ تداولها في الأول من يناير/كانون الثاني 2026. وجاءت في ست فئات تزخر بالنباتات والحيوانات: قمح وعصفور لفئة 500 ليرة، زيتون وحصان عربي لفئة 200، قطن وغزال لفئة 100، برتقال وقوقعة محار لفئة 50، توت وسنونو لفئة 25، ووردة وفراشة لفئة 10 ليرات. باختصار، تبدو المحفظة الجديدة أقرب إلى جولة سريعة في الطبيعة السورية. وقال الشرع إن التخلي عن صور الأفراد، بعدما ظهر حافظ وبشار الأسد على إصدارات سابقة، يعكس «هوية وطنية جديدة وابتعاداً عن تمجيد الأفراد».
لكن الألوان الزاهية وغياب وجوه آل الأسد لم يُقنِعا الجميع. فقد رأى سوريون أن التصاميم الجديدة جميلة، لكنها بلا عنوان واضح؛ إذ تفتقر إلى البعد التاريخي والمكاني الذي منح الإصدارات السابقة نكهتها السورية، حين ظهرت عليها نواعير حماة والجامع الأموي وألواح أوغاريت وإيبلا.
أما المفاجأة الكبرى فلم تكن في الصور، بل في الحساب: إعادة تقييم بنسبة 100 إلى 1، أي حذف صفرين من القيمة الاسمية. وخلال فترة انتقالية مدتها سبعة أشهر - تم تمديدها من ثلاثة أشهر مبدئية، تداول الناس عملتين في وقت واحد، فصار على البائع أن يبيع، وعلى المشتري أن يشتري، وعلى الاثنين أن يتفقا أولاً على أي ليرة يتحدثان. ثم أصبحت العملة الجديدة اعتباراً من 31 يوليو العملة القانونية الوحيدة في سوريا.
رقم واحد... وثلاثة معانٍ محتملة
بالنسبة إلى أجنبي يعيش في سوريا، ليست المشكلة في تمييز القمح من الزيتون على الأوراق، بل في إرث العملة القديمة وعادة السوريين الراسخة في اختصار الأسعار؛ وهي عادة أثبتت أن الأصفار قد تُحذف من الورق، لكنها لا تغادر اللسان بالسهولة نفسها. ومن هنا تبدأ لعبة الأرقام.
خارج المؤسسات الرسمية، اعتاد كثير من السوريين إسقاط ثلاثة أصفار عند نطق الأسعار. فإذا بلغ سعر كيلوغرام الفاكهة 75 ألف ليرة قديمة، صار في الكلام «75» فقط. وبعد إعادة التقييم أصبح السعر الرسمي 750 ليرة جديدة، لكن «75» بقيت صامدة. وبهذا صار الرقم نفسه قادراً على تمثيل قيمة قديمة، أو جديدة، أو اختصاراً شعبياً لا يعترف كثيراً بقواعد المحاسبة.
إتقان هذه اللهجة النقدية يحتاج إلى تدريب. فقد يسأل أجنبي بائعاً عن ثمن سلعة، فيجيبه «60» وفق الاختصار القديم. وإذا دفع الزائر 60 ليرة جديدة، يكون قد سدّد عُشر المطلوب فقط؛ فالسعر الحقيقي 600 ليرة جديدة، أي 60 ألفاً بالقديمة. عندها يتحول البائع من صاحب متجر إلى مترجم فوري بين عملتين وثلاث طرق لإثبات القيمة نفسها.
ولا يتوقف الأمر عند اللغة العربية. فالسائح الناطق بالإنجليزية قد يسمع السعر مختصراً بالعربية، أو مترجماً إلى الإنجليزية، أو مزيجاً منهما. وفي دمشق القديمة قد تسأل عن ثمن لتر ماء، فتسمع «سبعة»، ثم «سبعين» بالإنجليزية، وكأن البائع يمنحك السعر ومعه اختبار استماع مجاني.
والحيرة تسير في الاتجاه المعاكس أيضاً. فقد دفع زائر أجنبي 450 ليرة جديدة، أي نحو 3.70 دولارات، ثمن طبق فتة في مطعم بالمزة، ثم سأل صديقاً سورياً إن كان السعر مناسباً. جاء الرد مذعوراً: «دفعت 450 مقابل طبق فتة؟ لماذا لم تتصل بي؟ لقد دفعت مبلغاً كبيراً!». وبعد لحظة استدراك قال: «آه، تقصد بالعملة الجديدة... نعم، السعر جيد على ما أظن». كان الصديق قد قرأ الرقم تلقائياً بوصفه 450 ألف ليرة قديمة، أي قرابة 37 دولاراً؛ مبلغاً يكفي لأن تصبح الفتة قضية رأي عام.
أزمة الخمس ليرات: الفكّة الغائبة
ثم هناك ورقة الخمس ليرات، أو بالأحرى الورقة التي لا توجد. وغيابها، وهي تعادل نحو أربعة سنتات أمريكية، يعقّد المعاملات الصغيرة. فإذا اشترى زبون لتراً من عصير المانجو بـ180 ليرة ودفع 200، قد يسترد 25 بدلاً من 20 لأن البائع لا يملك ورقتين من فئة العشرة. وقد يحدث العكس فيخسر الزبون خمس ليرات. وهكذا تتحول «الفكة» إلى تفاوض قصير لا يحتاج إلى محامٍ، لكنه قد يحتاج إلى ابتسامة.
وتؤكد الشهادات أن المسألة ليست ترفاً محاسبياً. فعندما سُئِل طالب اقتصاد في جامعة دمشق عن الحاجة إلى الفئة، أجاب بحزم: «نحن بحاجة إليها»، ثم أضاف ساخراً: «الحكومة وعدت بتوفيرها، لكنها في النهاية حكومة». ووافقه صاحب بقالة محلي: «إنها مشكلة كبيرة، وستساعدنا في المعاملات الصغيرة». ويجري بالفعل تداول حديث عن طرحها لاحقاً، لإنقاذ الناس من معادلة الباقي المفتوح.
رحلت الأصفار ... وبقيت الأسعار
حتى الآن، لا تبدو إعادة التقييم قادرة على إنهاء عادة الاختصار. وعندما سُئِل بائع فاكهة لماذا لا يذكر الأسعار بالعملة الجديدة، أجاب ببساطة: «إذا أخبرت الناس بالمبلغ بالعملة الجديدة، فسيظنون أن فاكهتي غالية». منطقه واضح: قد تتغير العملة بمرسوم، أما انطباع الزبون فيحتاج إلى حملة أطول بكثير.
لكن الأوراق الجديدة، مهما كانت زاهية، لم تبدّل الواقع الاقتصادي القاسي. وقد التقط السوريون المفارقة سريعاً. ففي مقطع ساخر، يطلب دمشقي قرضاً بعبارات مثل «أعطني بعض الزيتون» و«أعرني بعض القمح»، في إشارة إلى الرسوم المطبوعة على الأوراق، وكأن المحفظة تحولت إلى مؤونة شتوية. وانتشرت أيضاً تصاميم تستبدل القمح بطبق مشاوي على ورقة الـ500 ليرة، والتوت بوعاء فتوش على ورقة الـ25 ليرة؛ اقتراح هزلي ربما يختصر الهوية اليومية بدقة أكبر، لكنه لن يجعل الغداء أرخص.
في النهاية، سيكون امتلاء جيوب السوريين علامة على التقدم أكثر إقناعاً من تغيير صور الأوراق أو تقليص أصفارها. وللأسف، سيكون هذا الأمر أكثر صعوبة بكثير بالنسبة للحكومة الانتقالية السورية لتحقيقه على المدى القصير.