المملكة المتحدة تدعم الفصل الجديد في تاريخ سورية
بيتر مكديرموت، مدير التنمية المعني بسوريا في وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، يتحدث بمناسبة نهاية خدمته عن استجابة المملكة المتحدة بتقديم المساعدات لسوريا.
مع اختتام مهامي كمدير التنمية المعني بسوريا في الحكومة البريطانية، أغادر منصبي وأنا أشعر بتواضع عميق إزاء ما تكبده السوريون من معاناة، وبقدرٍ من التفاؤل الحذر بشأن ما يمكنهم بناؤه اليوم.
لسنوات طويلة، كان النقاش حول سوريا بلغة لا تغادر دائرة الأزمة: الصراع، والنزوح، والإرهاب، والمخدرات، والعقوبات، والدبلوماسية المتعثرة. ورغم أهمية هذه الحقائق، فإنها لم تجسّد الصورة كاملة. فهي لم تُظهر المعلم الذي يعيد فتح صف دراسي في مبنى متضرر؛ أو المزارع الذي يستصلح أرضه بعد الجفاف؛ أو الأم التي تسعى لتوفير الرعاية الصحية لأطفالها؛ أو الشاب السوري الذي يتساءل إن كان بإمكانه أخيراً العودة إلى وطنه.
إن التغيير السياسي في ديسمبر/ كانون الأول 2024 شكّل بداية فصل جديد. لكن تعافي سوريا سيعتمد على بناء دولة جامعة ومستقرة، تتيح لمجتمعاتها ومناطقها بكل مكوناتها المشاركة والمساهمة والشعور بأن لهم دوراً ومصلحة في المستقبل. فالاستقرار الدائم لا يمكن فرضه؛ بل يجب بناؤه على ركائز الفرص والثقة والشمول.
لكن التحدي لا يزال هائلاً. فالصراع الذي امتد أربعة عشر عاماً تسلّب في نزوح ملايين السوريين، وإلحاق الضرر أو الدمار في جزء كبير من البنية التحتية للبلاد. ولا يزال ملايين الأشخاص بحاجة إلى المساعدة. وغالباً ما تواجه العائلات العائدة خدمات مثقلة تعمل فوق طاقتها، وفرص عمل شحيحة، وبنية تحتية متضرّرة. فالعودة المستدامة للاجئين تتطلب توفير الأمان والكرامة وسبل العيش ومدارس تعمل كما ينبغي. ومع ذلك، فإن هذه اللحظة تتيح أيضاً مساراً للانتقال من الأزمة نحو التعافي والاستقرار وزيادة الاعتماد على الذات.
لهذا ركّز الدعم البريطاني على مسارين متوازيين. فنحن نواصل المساهمة في تلبية الاحتياجات العاجلة، بما في ذلك توفير الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية والحماية. وبموازاة ذلك، نساعد في إعادة بناء سبل العيش، ودعم التعلم، وتقوية النظم المحلية، والتعاون مع الحكومة السوريا لبناء مؤسسات تستمر للمدى الطويل.
كما إن تخفيف العقوبات يساعد في إزالة الحواجز أمام التجارة المشروعة والاستثمار وعمليات التعافي. وبالاقتران مع الإصلاح والشفافية والمساءلة، يمكن أن لذلك أيضاً أن يساعد الشركات لتوفير فرص العمل، ويشجع الاستثمار، ويمنح العائلات حصة ملموسة في السلام والازدهار.
قد يبدو مفهوم «التنمية» مجرداً. لكنه في سوريا يتجسّد في أمور ملموسة: قناة ريّ يجري إصلاحها قبل موسم الزراعة؛ وبذور عالية الجودة تصل إلى أسرة من المزارعين؛ وطفل يتلقى ما فاته من التعليم بعد سنوات من الانقطاع عن المدرسة؛ وعيادة طبية تنتقل من تقديم خدمات الطوارئ إلى العمل بنظام مستدام؛ وآليات مساءلة أقوى تضمن وصول المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة إليها. والمساعدات التنموية البريطانية تركز بشكل خاص على الزراعة والتعليم والصحة، لأن هذه المجالات تشكّل ركائز التعافي على المدى الطويل.
الزراعة مهمة لأنها تمثّل توفر الغذاء والدخل والكرامة والقدرة على الصمود في بلد يعاني من الصدمات المناخية وشحّ المياه واضطراب الأسواق. والتعليم مهم لأن مستقبل سوريا يصيغه جيل يسعى لتعويض سنوات فاتته من التعلّم. والتعافي لا يمكن بناؤه على خدمات منهكة وأسر أنهكتها الظروف. ولا يمكن نجاحه في حال استبعاد الناس من المشاركة في صياغة المستقبل. ويجب أن يكون للنساء والفتيات دوري محوري بوصفهن قائدات وعاملات وصانعات قرار ومواطنات فاعلات. كما إن الانتقال الجامع -الذي تشارك فيه كافة مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك النساء، بشكل فعّال في صياغة مستقبل البلاد– ليس المسار الصائب فحسب، بل هو ركيزة أساسية لضمان استدامة الاستقرار والازدهار.
كذلك فإن التنمية الناجحة تتطلب أيضاً الإصغاء للآخرين. حيث يمكن للشركاء الدوليين أن يقدموا التمويل والخبرة والدعم، لكن الحلول المستدامة يجب أن تستند إلى الواقع السوري وأن تُصاغ بأصوات السوريين ووفق احتياجاتهم: سواء كانت سلطات وطنية ومحلية، أو منظمات مجتمع مدني، أو مجتمعات محلية، أو معلمين، أو عاملين في القطاع الصحي، أو مزارعين، أو رواد أعمال، أو مجموعات نسائية، أو شباباً. مستقبل سوريا يجب أن يحدده السوريون أنفسهم. أما دور الشركاء الدوليين فيتمثل في أن يكونوا شركاء عمليين وموثوقين ومحترمين في هذه المسيرة.
لدى مغادرتي هذا المنصب، فإن أكثر ما يثير إعجابي هو عزيمة السوريين أنفسهم. فبعد كل ما فقدوه، يختار كثيرون منهم إعادة البناء والتعليم والزراعة وتصوّر مستقبل مختلف. إنهم هم يستحقون دعما دولياً مستمراً يوازي عزيمتهم بالجدية والاحترام.
ولقد وقفت المملكة المتحدة إلى جانب السوريين طوال سنوات الأزمة، وستواصل دعمهم خلال مرحلة التعافي، بالمساهمة في تلبية الاحتياجات العاجلة، وفي نفس الوقت دعم بناء سوريا أكثر استقراراً وشمولاً وازدهاراً.