الأسدية كتجربة مُعاشة
قراءة في كتاب ريم علاّف «بدأت الحكاية في دمشق» (It All Started in Damascus)
ماذا تفعل الديكتاتورية بحياة الناس الداخلية؟ تتناول هذه القراءة لكتاب ريم علاّف كيفية تسرّب «الأسدية» إلى اللغة والذاكرة والضمير، وترسّخها في عادات اجتماعية صاغها الخوف والندرة. ويذهب الكتاب إلى أنّ عملية المحاسبة في سوريا لا يمكن أن تتوقّف عند تفكيك المؤسّسات؛ إذ لا بدّ أن تواجه أيضاً ما صنعه النظام في مواطنيه، وما لا يزال عالقاً في ثقافة البلاد الاجتماعية السياسية حتى اليوم.
وسط التحليلات الكثيرة التي تناولت العنف المفرط في السجون، والخلل الوظيفي للمؤسسات، ونمط الحياة القائم على نهب خيرات البلاد (الكليبتوقراطية) للنخب المحيطة بعائلة الأسد، يسهل أن يغيب عن البال حقيقة أكثر بساطة: هي أنّ الديكتاتورية السورية كانت أيضاً مسرحاً لتجربة مُعاشة؛ إذ تركت آثاراً عميقة في العوالم العاطفية، وفي العادات السلوكية، وفي طريقة كلام الناس، أو وفي كثير من الأحيان في الطريقة التي يلوذون بها بالصمت.
إنّ الواقع الكافكاوي لهذا الفضاء الاجتماعي، حيث كانت عبادة الشخصية حاضرة في كل مكان والندرة لم تكن مادية فحسب، بل كانت ندرةً مُنظَّمة اجتماعياً، وحيث تحوّلت المشاركة في القمع اليومي إلى فضيلة مواطنية، لا يزال غير مستكشف بما يكفي في معظم الأدبيات الأكاديمية. ومع ذلك، فإنّ هذا تحديداً هو المعيار الحاسم للحكم على الطغيان: لتقييم ليس ما يفعله النظام فحسب، بل أيضاً ما يصنعه في الناس.
تقدّم ريم علاّف، ابنة دبلوماسي والزميلة لسنوات طويلة في مركز «تشاتام هاوس»، في مذكّراتها الصادرة بعد وقت قصير من سقوط نظام الأسد، سرداً يضيء بدقّة على تلك المناطق من الوجود اليومي. ليس الكتاب عملاً أكاديمياً بالمعنى الضيّق، بل هو سردٌ قائم على الحكايات الشخصية، يُقرأ على أفضل وجه بوصفه إسهاماً في التاريخ الشفهي. ولأن علاّف تكتب من داخل التجربة المُعاشة، فإنّ الكتاب لا يمكن إخضاعه لمعايير المعالجة الأكاديمية التقليدية؛ ومع ذلك، فإنه يظلّ منتجاً على المستوى التحليلي، إذ يكشف عن أبعاد من «الأسدية» ما زالت إمّا تنتظر دراسة منهجية، أو أنها، بحكم طبيعتها، لا يمكن التقاطها إلّا عبر الذاكرة والسرد.
في ما يشبه نوعاً من العمل الميداني الأدبي، تكشف علاّف عن بنية عميقة تميل إلى التواري في تحليلات الأنظمة التكنوقراطية، وتدفع القارئ نحو سؤال مقلق: هل يكفي، من الناحية التحليلية، وصف سوريا الأسد بأنها نظام «سلطوي» فحسب؟ أم أنَّ هذا الوصف، على دِقّته، يعجز عن الإحاطة بمدى تغلغل هذا النظام في الفكر واللغة والضمير؟
السيطرة الكاملة على العقل
بينما تنزع تحليلات كثيرة لعنف نظام الأسد إلى اتخاذ العداء الطائفي إطاراً تفسيرياً أولياً، تسلك علاّف مساراً مختلفاً؛ إذ تضع في صلب اهتمامها النتائج المترتبة على «الحكم الشخصاني». وانطلاقاً من تجربتها في سوريا في عهد حافظ الأسد، ثمّ لاحقاً بشار، تعيد توجيه الانتباه إلى ما يبدو بديهياً لكنّه غالباً ما يُسطَّح تحليلياً: آليات «بنية تحتية للامتثال» محكمة النسج، يشدّ أزرها «مشدّ» ضيّق قوامه مثلّث الجيش وأجهزة الأمن والحزب.
ومن خلال منظّمات جماهيرية متزامنة في المدارس وأماكن العمل والحياة الاجتماعية، امتدّت هذه البنية لتتغلغل في مفاصل الوجود اليومي. وهي تقترب، إن لم تكن قد استوفت بالفعل، السمات المؤسّسية التي تُقترن عادةً بالأنظمة الشمولية.
ولكي يعمل هذا النظام، اعتمدت السلطة على منطق «تأليه الحاكم» يستحضر ما طرحته ليزا ويدين في كتابها «التباسات الهيمنة» (Ambiguities of Domination) (1999). فقد فسّرت ويدين هذه العبادة، أي «عائلية» الأمة من خلال تقديم حافظ بوصفه «الأب» لجميع السوريين، وأيقونية الجداريات، والأداء العلني للولاء، بوصفها حالة اجتماعية كشكل من أشكال الامتثال الانتهازي. غير أنّ علاّف تمضي بهذا الطرح خطوة أبعد، مؤكّدة أنّ ادّعاءات السلطة هذه لم تكن مجرّد أداء تمثيلي، بل تحوّلت لدى كثيرين في محيطها الاجتماعي إلى واقع مُعاش.
إنّ استعادتها لحزن خالتها عند وفاة حافظ، والثقل الذي كانت تحمله أسماء العائلات بوصفها مؤشّرات على الهرمية والامتياز، والرموز اللغوية الدقيقة التي كان يُتعرّف من خلالها إلى السلطة ويُتعامَل معها، تشير كلّها إلى «لاهوت سياسي» تصلّب ليغدو حالة طبيعية على المستوى الاجتماعي النفسي.
ناموس الأسدية اليومي
توضح رحلة علاّف في تاريخ سوريا الحديث أنّ «البعثية» وحدها لم تكن المادة اللاصقة التي أبقت النظام متماسكاً، بل كان المنطق الأبوي- الإرثي لعائلة الأسد، الذي حوّل الدولة إلى شبكة من التبعيات الشخصية. لقد عمل تأليه الحاكم كناموس يومي؛ ولم يكتفِ برسم الحدود السياسية، بل نظّم الحياة الاجتماعية واخترق المجال الخاص. أمّا «الصفقة السلطوية» المألوفة، أي السلبية السياسية مقابل قدر من الطمأنينة الشخصية، فلم تنجح إلّا بشكل منقوص في سوريا الأسد؛ فمع تصلّب حكم العائلة وصولاً إلى ما يشبه التأليه، اتّسع نطاق التصرف السيادي المنفلت، وتلاشت الحدود بين ما هو «سياسي» وما هو «غير سياسي» بشكل منهجي، حتى لم يعد هناك شيء خارج متناول السلطة.
وبعيداً عن الطقس المفروض بقبول السلطة المطلقة للقائد، تُبيّن علاّف كيف ارتهنت الحركية الاجتماعية بالقرب من هرم الحكم؛ فحتى المزايا المادية المتواضعة كانت مشروطة بالروابط الشخصية والتنازلات الضمنية. وفي ما يمكن تسميته «مجتمع الأسد» (civitas Assad)، حدّدت عملية الحاكم أفق الممكن؛ فتجلّت أحياناً في شكل ولاء أدائي، وأحياناً في شكل خضوع حقيقي، لكنّها في الحالتين صاغت التوقّعات، وفرضت أنماط الاستجابة، ورسمت حدود التفاعل.
إنّ الاعتباطية التي تصفها علاّف، من تعيين الوزراء وإقالتهم وفق المشيئة، إلى احتكار قطاعات اقتصادية عبر المحاسيب (مثل رامي مخلوف)، أو تحويل الحداد على أفراد من «عائلة الأسد» إلى تكليف وطني تحت طائلة الوصم بالهرطقة، كانت تستند في نهاية المطاف إلى عنف منظّم. ومن خلال سياسات الندرة في التسعينات، وسياسة الاحتلال في لبنان، وصولاً إلى التوحّش المتعمّد في التعامل مع ما بدأ كانتفاضة مدنية، تتبع علاّف نمطاً متكرّراً: حيث قدّمت عائلة الأسد أنفسهم كمنقذين من أزمات ساهموا هم أنفسهم في خلقها.
ضمن هذا المنطق، تعرّض المجتمع نفسه للتآكل؛ إذ جرى تدريب السوريين على استغلال ومراقبة بعضهم بعضاً. ومع مرور الوقت، ترسخت «أنثروبولوجيا قاتمة»، وهي مقولة النظام نفسه بأنّ «هؤلاء الناس» لا يمكن حكمهم إلّا بالحذاء فوق رؤوسهم. لقد كانت نبوءة ذاتية التحقق، جرى تصنيعها ثمّ استدعاؤها بوصفها تبريراً.
الضمير المُنضبط
لعلّ أقوى حجّة تقدّمها علاّف حول المدى الشمولي لهيمنة عائلة الأسد تظهر في وصفها لما يمكن تسميته بـ «نظام الضمير»، الذي بُني بصبرٍ دؤوب على مدى عقود. يبدأ هذا المسار من المدرسة؛ حيث عملت الصفوف الدراسية كأدوات للتلقين العقلي: مناهج تربوية استبدلت الفهم بالبصم أو الحفظ، صُمّمت لخنق التفكير المستقلّ من جذوره، ولغرس الامتثال للخطوط الحمراء الدعائية بوصفه فضيلة مواطنية.
ويكشف عرضها للصناعة الثقافية في سوريا، بصورة أعمق، عن الموضع الذي استقرّت فيه سيادة النظام على «الحقيقة»؛ إذ كان النقد مسموحاً به ولكن بجرعات مقنّنة. كانت حدود ما يمكن قوله تتبدّل تبعاً للطقس السياسي والمزاج الأمني. وفي المراحل المتوتّرة، استغلّ الجهاز الأمني هذه المرونة إلى أقصاها، فطالب بإعلانات ولاء علنية، وأجبر من تجاوزوا تلك الخطوط غير المرئية على إعلان توبتهم والتراجع عن مواقفهم أمام الكاميرا.
وترصد علاّف أيضاً كيف تغلغل هذا التلاعب باللغة في تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد تعلّم السوريون التحدّث بالرموز، وفكّ شفرات «لغة البعث»، والتنقل داخل فضاء كثيف من «الممنوع». كان الحديث يتطلّب «معايرة» دقيقة: عبر ضبط المرء لموقعه في الهرمية الاجتماعية، وقراءة كلّ مُحاور بوصفه «زلمة الأمن» محتملاً، ومن ثمّ تعديل الكلام والسلوك استباقياً بناءً على ذلك.
ماذا يتبقّى؟
يختتم سرد علاّف برحيل الأسد وتقديم رسم سريع لملامح توازن القوى الجديد. ولأنّ الكتاب لا يدّعي تقديم تحليل منهجي للواقع الراهن، فإنّ الخاتمة تُبقي تركيزها على سؤال أكثر جوهرية: ماذا يتبقّى بعد نمط من الحكم لم يكتفِ بالإدارة السياسية، بل تغلغل في الحياة واللغة والعلاقات؟
وبعيداً عن الملاحظات المقتضبة حول تحدّيات المرحلة الانتقالية، تتيح علاّف لنوع آخر من «الثقل» أن يبرز؛ ثقلٌ يقلّ فيه الجانب السياسي لصالح الجانب الوجودي. كيف يمكن للمرء أن يمارس الحداد بعد نظامٍ صاغ الإدراك، وأعاد ترتيب الواقع، وطبّع العنف لعقود؟ تقترب النبرة أحياناً من البُعد «العلاجي»، لكن بوصفه اعترافاً بأنّ تاريخاً كهذا لا يمكن ببساطة «إغلاقه»؛ فهو يترك ندوباً في الأجساد، وفي الكلام، وفي عادات الخوف والتكيّف.
ولا يسع المرء إلّا أن يأمل أن يشجّع هذا الكتاب سوريين آخرين على تدوين تجاربهم المُعاشة؛ فمثل هذه المادة نادراً ما تجد طريقها إلى الدراسات الأكاديمية بهذا القدر من الكثافة. ومع ذلك، يبقى سؤال يلوح في الأفق بعد الصفحة الأخيرة: ماذا لو استمرّت عملية التنشئة الطويلة هذه في العمل داخل الناس أنفسهم، حتى بعد زوال النظام المرهوب؟
يُبيّن سرد علاّف بوضوح أنّ سوريا الأسد لا يمكن ببساطة مساواتها بتشكيلة السلطة الراهنة في ظل الشرع. غير أنّ هذا الإدراك يحمل في طيّاته عبئه الخاص؛ فالانتقال الحقيقي يتطلّب ما هو أكثر من إعادة بناء المؤسّسات؛ إنّه يستلزم وعياً بالأبعاد الكاملة لشموليةٍ نفذت عميقاً إلى الوجدان الوطني، ولا تزال ذيولها الاجتماعية قائمة. إنّها خلاصة رصينة توحي بأنّ استكمال الثورة قد يظلُّ مهمّةً ملقاةً على عاتق الأجيال القادمة.