لماذا نستطلع الآراء
قياس الرأي العام ضرورة سياسية
إذا كان للنظام السوري الجديد أن يتفادى العزلة القاتلة التي طبعت العهد الماضي، فعليه أن يتقن فن الإصغاء. ويأتي إطلاق «استطلاع سوريا» (Syria Poll) كأول محاولة لربط السلطة بالمزاج الشعبي، ولتكريس المساءلة كنهج مؤسّسي وقيمة راسخة، يمكن أن تتحوّل مستقبلاً إلى ضمانة دستورية.
سوريا ليست دولة ديمقراطية، ولكن إذا قُدّر للبلاد أن تمضي نحو مستقبل شبه ديمقراطي، ولو في حدّه الأدنى، فعليها أن تبدأ من الآن بالتعامل مع الرأي العام كقوة ذات وزن وتأثير. وتنطلق هذه القناعة من صلب «استطلاع سوريا» (Syria Poll)، وهو أول مسح دوري وميداني للرأي العام السوري، يُجرى عبر مقابلات مباشرة وجهاً لوجه في الشوارع والساحات العامة.
شملت المرحلة الافتتاحية للاستطلاع، التي نفّذتها مجلّة سوريا المتجدّدة في دمشق وريفها وحمص مطلع شباط/ فبراير 2026، إجراء مقابلات مع 900 مستجيب من مختلف الفئات العمرية والجندرية ومستويات الدخل. وخلال الأشهر المقبلة، سنعمل على توسيع نطاقنا الجغرافي تدريجياً ليشمل المناطق السورية كافة، بما يضمن الوصول إلى نتائج ذات دلالة إحصائية تمثّل المستوى الوطني بالكامل.
لا يعتمد «استطلاع سوريا» في تصنيف المستجيبين على الانتماءات الطائفية أو الإثنية؛ فبعد سنوات استُخدمت فيها «الهوياتية» كسلاح سياسي، ارتأينا أنّ إعادة تكريس هذه التصنيفات ليس بالأمر النافع ولا المرغوب فيه. وبدلاً من ذلك، نركّز على العوامل البنيوية كالطبقة الاجتماعية والتوجّه السياسي. وبتعبير آخر: نحن أقل اهتماماً بـقوالب الهوية الجاهزة، وأكثر تركيزاً على ظروف الناس المعيشية للناس والأفكار التي يتبنّونها.
جاءت نتائج الاستطلاع مطمئنة للحكومة؛ إذ ترى نسبة 63 في المئة من المستجيبين، أي ثلثا العينة تقريباً، أنّ سوريا تمضي في الاتجاه الصحيح. وأعربت أغلبية أقلّ (56 في المئة) عن ثقتها بقدرة الحكومة على تحقيق العدالة الانتقالية. كما تصل نسبة الرضا عن الأداء الحكومي إلى نحو 90 في المئة بين المستجيبين من ذوي الدخل المرتفع، لكنّها تنخفض إلى 65 في المئة بين ذوي الدخل المحدود. وعلى الرغم من أنّ هذا يعكس دعماً عريضاً للحكومة، إلّا أنّه لا يرقى ليكون تفويضاً استفتائياً مطلقاً.
إنّ رصد هذه التباينات هو تحديداً ما يمنح استطلاعات الرأي أهميتها البالغة؛ فخلال معظم تاريخها الحديث، اتسمت الثقافة السياسية السورية بنخبوية مفرطة، وافتقرت لأيّ آليات للتشاور مع الجمهور. وفي ظل تلك البيئة، كان من الطبيعي أن ينتهي الأمر بصنّاع القرار إلى الركون لمعلومات مُنتقاة، واعتماد وسطاء موالين لا ينقلون إلّا ما يروق لمسامع السلطة. ومع انفصال السياسات المُتّبعة عن الواقع المعيش للأغلبية، تراكم السخط الشعبي حتى بلغ نقطة الانفجار.
من المتوقع أن ينعقد البرلمان السوري في غضون الأشهر المقبلة؛ ومهما كانت حدود صلاحياته، سيكون لزاماً على المشرّعين والوزراء اتّخاذ قرارات مصيرية تتعلّق بالإصلاح الاقتصادي والخدمات العامة والسياسة الخارجية وملف المصالحة. إنّ المضي في سنّ التشريعات دون معرفة منهجية بتوجهات الرأي العام، ليس إلا تخبّطاً في الظلام.
ومع ذلك، لا ينبغي لبيانات الرأي العام أن تتحوّل إلى ملكية خاصة لمراكز البحوث وورش عمل الجهات المانحة؛ فغالباً ما تظلّ نتائج الاستطلاعات حبيسة دوائر ضيقة لرسم السياسات، حيث يُستشهد بها بشكل انتقائي وتُناقش خلف أبواب مغلقة، ما يجهض إمكاناتها الديمقراطية. فكي يتمكّن الرأي العام من المساهمة في صياغة نهج الحكم، لا بدّ أن يكون هو نفسه علنياً ومتاحاً للجميع. ومن هنا، يبرز دور وسائل الإعلام في تحليل النتائج واستنطاقها، ودور السياسيين في التفاعل معها، والأهم من ذلك، دور المواطنين في رؤية تطلّعاتهم وهي تنعكس في صلب النقاش الوطني.
إنّ نشر هذه النتائج بأسلوب مُبسّط ومتاح لغير المتخصّصين، من شأنه أن يرسّخ قناعة جوهرية: وهي أنّ الحكومة مسؤولة، بالمقام الأول، أمام المجتمع الذي تخدمه، وليس أمام الحلفاء والرعاة الإقليميين فحسب.
للاستطلاعات حدودٌ واضحة. فعندما يُسأل الناس عن العدالة الانتقالية، قد يميل البعض للحذر في الإجابة، أو قد يغيب عنهم المعنى الدقيق للمصطلح. فالاستطلاعات ليست سوى «لقطات زمنية»، تتطلّب تكراراً وصقلاً للمنهجية، وعملاً نوعياً مكمّلاً. ومع مرور الوقت، وبناء جسور الألفة وتبدّد المخاوف، ستزداد هذه البيانات دقةً وموثوقية.
غير أنّ التشكيك في الاستطلاعات، على صحّته، لا ينبغي أن يتحوّل إلى ازدراءٍ لحُكم الناس. ويبرز هذا الخطر خصوصاً لدى بعض الإسلاميين الذين ينظرون إلى آراء «العامة» بوصفها معيبةً بطبيعتها، لافتقارها إلى ما يلزم من علم لتكوين رأيٍ متأنٍّ. إلا أنّ التراث الإسلامي يعترف بنوعٍ من الحكمة الجمعية: فقولان مأثوران عن النبي ﷺ يؤكدان هذا المعنى، «يد الله مع الجماعة» و«لا تجتمع أمتي على ضلالة»، بما يرسّخ مبدأ أنّ الحُكم الموزّع بين الناس كثيراً ما يصحّح نقاط العمى لدى النخب الضيقة. وغالباً ما تطوّر المجتمعات حسّاً سادساً جمعياً يميّز ما يمكن احتماله وما لا يمكن.
وتكتسب هذه الرؤية أهميةً بالغة في الوقت الراهن؛ فبعد مرور أربعة عشر شهراً على انهيار نظام الأسد، تبدو مستويات الرضا عن الخدمات العامة الأساسية متباينة؛ إذ أعربت نسبة 49 في المئة عن رضاهم، بينما التزمت نسبة 35 في المئة من المستجيبين بموقف محايد. وفي ظل ضيق اقتصادي ملموس، يتوزّع الدعم للسلطات الجديدة بوضوح وفقاً للشرائح الطبقية؛ حيث يتصاعد التذمّر بشكل لافت، حتى ضمن قطاعات واسعة من القاعدة السنّية التي تُعدّ الركيزة الأساسية للحكم نفسه.
أمّا بالنسبة إلى إدارة الرئيس أحمد الشرع، فإنّ العبرة المستخلصة يجب أن تكون واضحة ومباشرة؛ فلقد كان سقوط نظام الأسد، في جانب كبير منه، نتيجة ارتهانه لعزلةٍ تامة عن الحقائق المزعجة. إنّ السلطة الشرعية لا تستقيم إلّا بصيانة حوار متبادل وثنائي الاتّجاه مع الشعب، وتمثّل استطلاعات الرأي عنصراً حيوياً وحاسماً في إدامة هذا الحوار.