حكم ذاتي تحت الحصار
يواجه القادة الأكراد استقطاباً متزايداً في الداخل بينما يحاولون كبح جماح دمشق التي أصبحت أكثر جرأة
مع تقدّم دمشق واستعادتها السيطرة على المناطق ذات الغالبية العربية، تراجعت الإدارة التي يقودها الأكراد إلى معاقلها الأساسية في الحسكة. وتُعدّ قوى التحدّي، وخيبة الأمل، والرؤية المتقلّصة للحكم الذاتي هي المحرّكات التي تشكّل الآن مدينة القامشلي، العاصمة الفعلية للإدارة.
عاش الشمال والشرق السوري في كانون الثاني/ يناير تغييرات متسارعة، تركت أصداءً متفاوتة تماماً بين مختلف المستويات السياسية والشعبية. فبالنسبة إلى الأكراد العاديين، كانت العودة إلى أجواء بدايات الحكم الذاتي مربكة؛ حيث غصّت شوارع القامشلي فجأة بمظاهر الحماس القومي وتدفّق السلاح، مع استنفار الشباب الكردي لحماية مناطقهم التاريخية. في المقابل، نظر الناشطون العقائديون ومقاتلو الصفوف الأولى بعين التفاؤل لاتفاق «الدمج» المبرم في 30 كانون الثاني/ يناير، معتبرين أنّه يحمي جوهر مكاسبهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي كسبوها بشق الأنفس، حتى وإن رُفع فوقها علَمٌ مغاير. وبين هذا وذاك، كان قادة الأكراد وقادة الحكومة السورية يقدّمون لجمهورهم وعوداً وتفسيرات متضاربة لاتفاق دمج وطني شامل، يبدو كلّ طرف فيها وكأنّه يقرأ نصاً مختلفاً؛ وهي تفسيرات متباعدة لن يكون من السهل التوفيق بينها أبداً.
العودة إلى روجافا
أدّى التقدّم الخاطف في كانون الثاني/ يناير إلى وصول القوات الحكومية السورية والقبائل المتحالفة معها إلى مسافة لا تتجاوز خمسة كيلومترات من الشريان الحيوي الذي يربط القامشلي بمعبر سيمالكا الحدودي. هذا الانكفاء عن العمق العربي فرض عودةً، جغرافية وسياسية، إلى روجافا أو كردستان سوريا. وفي القامشلي، وبينما كان يترقّب اتّضاح معالم اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير، صرّح السياسي البارز في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا عبد الكريم عمر لمجلّة سوريا المتجدّدة قائلاً: «لم يعد لشمال وشرق سوريا وجود حالياً... المناطق العربية ضاعت، وعدنا إلى كنف المناطق الكردية... وعلى سكان هذه المناطق أن يديروا شؤونهم ويدافعوا عن أنفسهم».
هذا الشعور العام تجسّد في هتافات المتظاهرين وكلمات التأبين في جنازات الشهداء، والتي صدحت بأنّ «القامشلي ليست دير حافر»، في إشارة رمزية لبلدة عربية سقطت بيد الحكومة بعد انشقاقات واسعة في صفوف قوات سوريا الديمقراطية. كانت الرسالة المبطّنة واضحة: يجب أن يتوقّف هذا التراجع الفوضوي عند ما وصفته روكسن محمد، المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة (YPJ)، بـ «الخط الأحمر» لروجافا الحقيقية.
ومع ذلك، يكتنف الغموض الكيفية التي ستعيد بها الإدارة الذاتية صياغة نفسها؛ فقد عصفت الانسحابات بهياكل الحكم والمجتمع المدني التي كانت ممتدّة من حدود العراق إلى الفرات، وتُركت مكاتب وأرشيفات للحريق أو الضياع، في حين بدأت كوادر حزب العمال الكردستاني (PKK) ذوي الخبرات الفنية والإدارية بمغادرة البلاد. وما زاد الطين بلّة هو التلويح بنقل السيطرة على معبر سيمالكا لدمشق، وإعادة توجيه المسارات الإغاثية عبرها، بالتزامن مع خروج اّلقوات الأمريكية الوشيك.
في ظلّ هذا المشهد القاتم، فضّل الكثير من الموظّفين العرب في الإدارة الذاتية البقاء في منازلهم ريثما تتّضح الرؤية، وهو ما أقرّ به عمر قائلاً: «ربما لن تستمر الإدارة الذاتية كمظلة لكل شمال وشرق سوريا، لكنّنا سنواصل جهودنا لضمان أن يكون من يدير المناطق الكردية هم الأكراد أنفسهم».
لقد أعادت هذه التطورات الأوضاع السياسية إلى المربع الأول لمشروع روجافا؛ حيث استأنفت «الكومينات» المحلّية تنظيم الإغاثة للنازحين الأكراد الذين تدفّقوا نحو القامشلي والشريط الحدودي ذعراً من عمليات انتقامية حكومية. وبما أنّ رؤية الإدارة الذاتية للحكم المحلّي وُلدت من رحم الأزمات، فقد بدت هي الأكثر ملاءمة لظروف الحرب والتعبئة، مستندةً إلى شبكات راسخة من الأكراد «الوطنيين» لإدارة الملفات الأمنية والإدارية في الأحياء. وفي غمرة انشغالهم بتوزيع المساعدات، استرجع أعضاء الكومينات بحنين ذكريات صدامات بين 2012 و2015 مع بدايات التمدّد الحكومي، بينما احتدم النقاش بينهم حول ضرورة نزع سلاح العرب المحلّيين.
ترافق انحسار نفوذ الإدارة الذاتية مع غليان في المشاعر القومية الكردية؛ حيث طفت على السطح التوتّرات العميقة مع المكوّن العربي، والتي كانت كامنة في دير الزور والرقة. ورغم محاولات الناشطين الموالين للإدارة إبراز دور المقاتلين العرب المتبقّين في قسد، إلّا أنّ هذه النماذج، كالجرحى في مستشفيات القامشلي أو شيخ قبيلة الجبور الذي يتلقّى تهديدات من أبناء عمومته، بقيت استثناءات تؤكّد القاعدة؛ لقد تغيّر المزاج العام، وبات المقاتلون الأكراد يؤكّدون أنّهم يقاتلون اليوم تحت راية وحدات حماية الشعب والمرأة الكردية، وليس تحت مظلّة قسد التي رعتها واشنطن كقوة عابرة للأعراق.
هكذا غدا شمال سوريا مسرحاً لاستقطاب حاد بين قوميتين متنافستين: تيار عربي سنّي ذو صبغة محافظة، وقومية كردية راديكالية مناهضة للإسلام السياسي. والمفارقة أنّ الطرفين يستخدمان لغة مكافحة الإرهاب المستوحاة من القاموس الأمريكي؛ فبينما تصف دمشق قسد بالإرهابيين المختبئين في الأنفاق، يرى الأكراد أنّ دمشق محكومة من قِبل بلاطجة إسلاميين. حتى المقاتلون على جبهات الحسكة باتوا يسخرون علانية من شعار «أخوة الشعوب»، واصفين إياه بـ«الأخوة مع القاعدة».
وفي المناطق الخلفية، جرى توزيع آلاف قطع السلاح عبر الكومينات ومنظمة «الشبيبة الثورية»، وبات الشباب الأكراد يقضون لياليهم في تمشيط الأحياء العربية بحثاً عن «خلايا داعش النائمة»، وغالباً ما تنتهي هذه المداهمات باعتقالات تستند إلى أدلة واهية في ظل احتقان شديد. وفي الوقت الذي تعتمد فيه دمشق على الفصائل القبلية للضغط على تفاهمات وقف إطلاق النار بتنسيق غير معلن مع الاستخبارات التركية، يبرز الشباب الكردي المسلّح كعنصر اختبار لمدى صمود هذا الاستقرار الهش على مستوى الشارع.
وعلى عكس الشائع بأنّ كوادر حزب العمال هم العقبة الأساسية أمام الاندماج، فإنّ الأكراد السوريين العاديين هم الأكثر تشكيكاً في جدوى السلام مع جيرانهم العرب، رغم حثّ القيادة السياسية لهم على الثقة بالعملية. وبالمثل، تبرز أصوات الأكراد الموالين لبارزاني المناهضين لحزب العمال الكردستاني الأعلى رفضاً لـ«الأخوة» مع دمشق، على الرغم من أنّ المجلس الوطني الكردي (ENKS) المدعوم من بارزاني كان قد انخرط في حوار مع الشرع أملاً في حجز مقعد في الخارطة السياسية الجديدة.
الأمور على حالها؟
على الرغم من اتّساع فجوة السخط، لن تجرؤ وحدات حماية الشعب أو الشبيبة الثورية على صدام مباشر مع القوات الحكومية دون أوامر عليا. لكنّ الصاعق المرجح للانفجار قد يكون احتكاكاً عفوياً بين الدوريات الكردية والقوى القبلية العربية، حيث سيتبادل الطرفان تهمة إطلاق الرصاصة الأولى. وقد بلغت القلوب الحناجر في أوائل شباط/ فبراير حين دخلت مفارز حكومية صغيرة إلى المربعات الإدارية في القامشلي والحسكة، ما دفع قسد لفرض حظر تجوال صارم لمنع أي شرارة مواجهة. وعلى الرغم من أنّ دخول هذه القوات اعتُبر إهانة في نظر الكثير من الأكراد الموالين للإدارة الذاتية، إلّا أنّ اللحظة مرّت بسلام، مؤقّتاً على الأقل.
أعطى النطاق المحدود لهذا الانتشار، في بادئ الأمر، نوعاً من المصداقية للمزاعم المتفائلة التي ساقها ممثّلو الإدارة الذاتية، بأنّ عودة سيادة الحكومة الرسمية لن تعني بالضرورة فقدان الحكم الذاتي السياسي أو العسكري في جوهره. ففي الوقت الراهن، لا تزال بلدية القامشلي تدير وظائف المدينة كما في السابق تقريباً. بيد أنّ القادة الأكراد غالباً ما جنحوا لترويج تفسيرات قصوى لاتفاقيات وقف إطلاق النار، كنوع من المناورة التفاوضية والتكتيك الدعائي في آنٍ معاً. وفي هذا الصدد، صرّحت روكسن محمد، قائلة: «لن يتغيّر شيء؛ وحتى لو تمّ الاندماج، فإنّ كتائبنا النسائية ستبقى في مناطقنا»، وذلك على الرغم من أنّ استمرار وجود هذه الوحدات لم يرد ذكره في أيّ مسودة دمج منشورة. هذه التطمينات تتسرّب تدريجياً إلى القواعد الشعبية؛ حيث يمنّي المقاتلون الأكراد الشباب أنفسهم بأنّ الترتيب الجديد قد ينتهي بنموذج يحاكي الحكم الذاتي الواسع الذي يتمتّع به إقليم كردستان العراق.
بيد أنّ الواقع الجديد الذي يجري التفاوض عليه يبدو، في الحقيقة، أقلّ سخاءً حيال التطلّعات الكردية ممّا يأمله الكثيرون. فشبكة حزب العمال الكردستاني في سوريا تمتدّ إلى ما هو أبعد من مجرّد كوادر فردية، ومن المرجّح أن تحتفظ بدعم واسع وصلات تنظيمية عميقة داخل المجتمع الكردي حتى مع سحب الأفراد غير السوريين. ومع ذلك، تواجه المنظومة التي بناها الحزب الآن قيوداً بنيوية خانقة؛ فالقوة العسكرية التي يُتوقّع منها ردع أيّ عدوان إضافي من دمشق، قد تجد نفسها قريباً تتقاضى رواتبها من الحكومة ذاتها التي يُفترض بها موازنة قوّتها. كما باتت المنظمات النسائية رهينة عائدات النفط المتنازع عليها، وأصبح مستقبلها خاضعاً لطاولة المفاوضات. ومن المتوقّع أيضاً أن تُضطر وسائل الإعلام الكردية والمنظمات غير الحكومية المرتبطة بالإدارة الذاتية إلى التسجيل رسمياً في دمشق، حيث ستخضع لرقابة وتدقيق وثيقين. باختصار، على هذا النظام البيئي من الحكم والنشاط الذي شيده حزب العمال الكردستاني أن يجد صيغة للتصالح مع هيمنة دمشق الزاحفة.
ظاهرياً، يشبه الترتيب الجديد تلك «المساكنة القلقة» التي طبّعت علاقة الأسد بقوات سوريا الديمقراطية لسنوات، ومكّنت الأخيرة من الاحتفاظ بحكم ذاتي فعليّ؛ لكنّ الثابت الآن هو أنّ ميزان القوى قد مال بشكل حاسم لصالح دمشق.
مستقبل مستقطب وعسكري
لقد خبرت الإدارة الذاتية مثل هذه الترتيبات من قبل؛ حيث سمحت تغييرات رسمية في الشارات والأفراد لقوات سوريا الديمقراطية بالاحتفاظ بالسيطرة العسكرية في منبج عام 2018، وعبر معظم مناطق الشمال والشرق في 2019، وفي حي الشيخ مقصود عقب تسليم الحي عام 2025 لقوات «الأسايش». لكنّ تلك السوابق تشير أيضاً إلى أنّ التحولات السطحية نادراً ما تصمد؛ لذا يتوجّس سكان القامشلي من تكرار «سيناريو الشيخ مقصود» من جديد: زحف مرحليّ تبرّر فيه دمشق تقدّماً إضافياً على طول طرق مستحيلة الدفاع، مُجرّدة من الأسلحة الثقيلة ومنتشرة فيها القرى العربية، وهو ما يسهل المحاججة بوقوعه خارج «المناطق الكردية» سيئة التعريف في اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير. إنّ أيّ تسوية تتصوّر حكماً كردياً في المناطق الكردية وحكماً يسيطر عليه العرب في أماكن أخرى، لا تعني الكثير على المستوى المحلّي الدقيق للجغرافيا المجزّأة لمحافظة الحسكة؛ حيث أدّت الظروف التاريخية وسياسة «الحزام العربي» في حقبة البعث إلى غياب أيّ تواصل جغرافي حقيقي لمناطق «كردية» صرفة.
لقد بُنيت إعادة تفسير الإدارة الذاتية لرؤية عبد الله أوجلان حول «أخوة الشعوب» في الأصل لاستيعاب هذا الواقع الديموغرافي؛ حيث شكّلت قسد تحالفات براغماتية مع مراكز القوى العربية المحلّية ومجتمعات الأقليات، محقّقةً درجة ملحوظة من التعاون بين المكونات. ولكن مع توسّع قسد في العمق العربي المحافظ بناءً على طلب واشنطن، دُفعت تلك الرؤية إلى ما وراء نقطة الانهيار. وما كان ممكناً بين عامي 2012 و2015 لم يعد واقعياً اليوم، مع عمل الانهيار الإقليمي لنفوذ قسد على تعميق التوتّرات الموجودة مسبقاً.
وتكمن جذور تلك التوترات في تسييس الأمن في شمال وشرق سوريا وفق خطوط الحرب على الإرهاب، وخاصة استبعاد الإدارة الذاتية من المفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وتحوّل قسد إلى سجّان طويل الأمد لآلاف المرتبطين بداعش (ومعظمهم من العرب) إلى جانب معتقلين عرب آخرين. وحذّر الممثل الكردي عبد الكريم عمر قائلاً: «دولة مثل سوريا لا يمكن السيطرة عليها بالوسائل العسكرية». ومع ذلك، فإنّ عودة الرقة في كانون الثاني/ يناير 2026 إلى سيطرة الحكومة لم تتم عبر التفاوض، بل عبر فوهات المدافع. وإنّ لجوء دمشق للعنف لفرض الأمر الواقع قد زاد من هوة انعدام الثقة بين العرب والأكراد.
هذا الارتياب الناتج يعني أنّ أيّ حكم ذاتي كردي مستمرّ لن يُكتب له البقاء إلّا بوجود دوريات مسلّحة دائمة تطارد «الخلايا النائمة» أو تتربص في قواعد شبه معزولة. وعلى الرغم من رغبة الأكراد والعرب في الاستقرار، فإنّ عمليات نقل السكان المستمرّة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، لن تؤدّي إلّا إلى تأطير الانقسام؛ ما يجعل من الصعب تصوّر مستقبل يتجاوز طبقات متداخلة مما يُنظر إليه كاحتلال، سواء للأكراد من قبل العرب أو للعرب من قبل الأكراد. إنّ أيّ انتهاكات مستقبلية واتهامات متبادلة سوف تتحوّل بسهولة إلى ذرائع حرب جديدة.
إنّ مستقبل شمال سوريا لن تكتبه «أخوة الشعوب»، بل واقع مرير قوامه «الأكراد للأكراد» و«العرب للعرب». قد تكون التوتّرات في شوارع القامشلي قد هدأت مؤقّتاً، لكن، وكما قال أحد المقاتلين الشباب متهكّماً: «هذا السلام الهشّ قد لا يدوم إلّا لفترة كافية ليجد الشباب الكردي إمدادات جديدة من الإطارات لإشعالها من جديد».