حلب الأرمنية على طبق شهي
تقييم مطعم أبو هاكوب في حلب
يستكشف ناقد المطاعم لدينا، نديم السفرة، التراث الأرمني للمدينة، وليس ثمة سبيل أفضل إلى ذلك من تذوّق أطباقها التقليدية.
لا أفوّت زيارة مطعم أبو هاكوب كلما كنت في حلب. يقع هذا المطعم الأرمني الصغير في حي العزيزية ذي الأغلبية المسيحية، قبالة نادي هومنتمن الاجتماعي والرياضي الأرمني، وعلى مقربة من الاتحاد الخيري الأرمني العام.
قلّما تجد ما يعبّر عن حلب الأرمنية التقليدية أكثر من اللحوم المعالَجة والمتبّلة. يشغل مطعم أبو هاكوب الطابق الأرضي من مبنى حجري قديم، ويقود إليه باب أسود منخفض ومعقود، تعلوه مظلة قماشية ولافتات بسيطة بالعربية والإنجليزية. يهبط الزبائن بضع درجات إلى غرفة طعام ضيقة، ذات جدران حجرية لامعة وسقف مقبّب. تحيط بالطاولات الخشبية الداكنة مقاعد منخفضة بوسائد حمراء منقوشة، وتتدلّى على الجدران حُليّ متنوعة. وفي الخلف، يعمل رجلان أرمنيان وراء منضدة صغيرة مفتوحة لإعداد الطعام. المكان صغير، خافت الإضاءة، وبسيط الأثاث.
مدير مطعم أبو هاكوب هو ماهر، المنحدر من معبطلي، وهي بلدة ذات أغلبية كردية يسكنها عدد كبير من العلويين. يتمتع ماهر بروح دعابة بريئة، لا تخلو من سخرية واضحة. وهو يفضّل الزبائن الذين يعرفون ما يقدّمه المطعم وما يرغبون في تناوله، ولا يحاولون حجز طاولة للرجال فقط أيام الخميس والأحد. وتتبع مطاعم كثيرة في حلب هذه السياسة المألوفة، إذ تشترط أن تكون الحجوزات لـ«عائلات»، أي لمجموعات مختلطة أو نسائية بالكامل.
يحرص الحلبيون خصوصاً على أن يعهدوا بطعامهم وسياراتهم ومجوهراتهم إلى أبناء واحدة من أكبر الجاليات الأرمنية في الشتات.
يقول ماهر: «باعت عائلة كيليسليان المطعم وغادرته عام ٢٠١٤»، ثم يضيف سريعاً: «لكن لا تقلق، فالمالكون الجدد أرمن أيضاً». كان يعلم أن هذا كل ما أحتاج إليه من طمأنينة. يُعرَف أرمن حلب بمهارتهم وتفانيهم في أي مهنة يختارونها، ويحرص الحلبيون خصوصاً على أن يعهدوا بطعامهم وسياراتهم ومجوهراتهم إلى أبناء واحدة من أكبر الجاليات الأرمنية في الشتات، من دون أن ينسوا إسهامهم الأوسع في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية للمدينة.
تراجع عدد الأرمن المقيمين في حلب تراجعاً كبيراً خلال الثورة. ففي نهاية القرن التاسع عشر، بلغ عددهم نحو 4500 نسمة. وكان الذين استقروا في المدينة قبل الحرب العالمية الأولى (1914–1918) يُعرفون باسم «الأرمن القدماء». وبعد مجازر عام 1915، انضم إليهم تدفق كبير من الناجين وأحفادهم. وعند اندلاع الثورة السورية، قُدّر عدد أرمن حلب بنحو 60 ألف نسمة؛ أما اليوم، فيُقدّر عادةً بما بين 10 آلاف و12 ألفاً. ولا تزال الكنائس والمدارس والنوادي الاجتماعية والمطاعم الأرمنية، الرسولية والكاثوليكية والإنجيلية، منتشرة في أنحاء المدينة.
بعد أن أطلب المشروبات شفهياً، يناولني ماهر عادةً قلماً وورقة لأدوّن الطلب، بينما يقف إلى جواري مترقّباً. وهذا أحد أجمل مظاهر ثقته بزبائنه الدائمين. في إحدى أمسيات أيلول/ سبتمبر الأخيرة، طلبت أنا وصديقي سلطة الزيتون والفتوش، ثم شرائح رقيقة من البسطرما (لحم مجفف ومتبل)، والسجق (نقانق من لحم البقر متبلة على الطريقة الأرمنية، تُقدّم في مطعم أبو هاكوب على هيئة قطع ساندويتش)، والكبة النيئة (لحم نيئ مفروم وممزوج بالبرغل الناعم والتوابل)، وأقراص النعناع (قطع صغيرة من اللحم المفروم والنعناع الطازج، تُقدّم مع صلصة من الليمون والثوم وزيت الزيتون)، والجبن الكردي (جبن أبيض مالح يُقدّم في خبز مسطح مع الفلفل الأخضر الحار المفروم والطماطم)، والتوشكا (خبز مسطح محشو باللحم المفروم والجبن، يُحمّص حتى يقرمش من الخارج ويذوب حشوه من الداخل). كما قُدّمت لنا شطيرة لسان ضأن مجاناً.
يستغرق إعداد الطعام وقتاً طويلاً، لذا يُفضّل ألا تزور المطعم وأنت على وشك الموت جوعاً. فالطهاة هناك لا يحبّون الاستعجال؛ إنهم يفضّلون إعداد كل شيء كما ينبغي، «غاماتس غاماتس»، كما يقول الأرمن: ببطء، ببطء.
لا يزال أبو هاكوب يجذب كوكبة من الشخصيات الممتعة، وقد يجمعهم أحياناً، في نهاية الليل، نقاش فكري أو لحظات من اللطف والمزاح.
لم يتغيّر مطعم أبو هاكوب كثيراً منذ أن بدأت أتردد عليه مع أصدقائي في العقد الأول من الألفية الجديدة، حين كنا لا نزال نكتشف متعة الخروج لتناول الطعام بمفردنا. كنا نذهب إلى مقهى للمثقفين في حي الفيلات كي ندرس، ثم نتناول الغداء في أبو هاكوب.
يُقال إن أنترانيغ وأزنيف كيليسليان افتتحا المطعم عام 1957، قبل عام واحد فقط من دخول سوريا في اتحادها القصير وغير الموفّق مع مصر. ويشير لقبهما إلى أصلهما من كيليس. ووفقاً لتقاليد الشرق الأوسط، كان أنترانيغ يُعرف أيضاً باسم أبو هاكوب، نسبةً إلى ابنه الوحيد.
تولّى هاكوب -وهو الاسم الأرمني ليعقوب- إدارة المطعم من والديه، واستمر في ذلك حتى غادرت العائلة سوريا إلى أرمينيا. وهناك افتتح أفرادها مطعماً ومحلاً للسندويشات يحملان الاسم نفسه، «أبو هاكوب»، في شارع بوشكين بالعاصمة يريفان. ويتولى إدارتهما اليوم الجيل الثالث من عائلة كيليسليان: أنترانيغ وجورج وسيروب.
على الرغم من تغيّر المالك وتعاقب سنوات الحرب، لا يزال مطعم حلب محتفظاً برونقه، ووجهةً مفضلة لكثير من «أصحاب المَرَق»، أي محبّي العيش الطيب، في عاصمة فنون الطهي السورية. أكلنا بفرح عظيم، نلتهم شرائح البسطرما كما نلتهم المكسرات المملحة، بينما انضم روّاد المطعم جميعاً إلى جوقات تردّد أغاني ملحم بركات الآسرة. ولا يزال أبو هاكوب يجذب كوكبة من الشخصيات الممتعة، وقد يجمعهم أحياناً، في نهاية الليل، نقاش فكري أو لحظات من اللطف والمزاح.
نادراً ما يكون معرفة المبلغ المستحق بعد وجبة دسمة مدعاةً للسرور، لكن الأمر يختلف في مطعم أبو هاكوب. فحين بلغت فاتورة الطاولة بأكملها 23 دولاراً أمريكياً، راودنا الشك في أن ماهر ربما أغفل بعض الأصناف، ولا سيما في مطعم واسع الشهرة وطيب السمعة، وسط تضخم اقتصادي متواصل.
أبو هاكوب، خلف محطة وقود شمس ونادي هومنتمن، العزيزية، حلب.
للحجز: 188 185 991 963+