مسرح سياسي ببطولة فنان
إحياء مسرح الحمراء في عهد نوار بلبل
وفّرت التبرعات الخاصة مبلغ 30 ألف دولار أمريكي، وهو المبلغ اللازم لترميم مسرح الحمراء التاريخي في دمشق. وأُعيد افتتاح المسرح في أيلول/ سبتمبر تحت إدارة الممثل والمخرج نوار بلبل، الذي يطمح إلى تدشين حقبة جديدة للمسرح السوري، تشمل تنظيم أول مهرجان مسرحي دولي في سوريا عام 2027. أمّا إيمانه الراسخ بحرية التعبير الفني، بما في ذلك أبعادها السياسية، فسيخضع الآن لاختبار خشبة المسرح العام.
تحتل السياسة، شأنها شأن المسرح، مكانة بارزة في حياة نوار بلبل، الممثل والمخرج المسرحي السوري، الذي أمضى عشرة أشهر في منصبه مديراً لمديرية المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة السورية. وقبل عشر دقائق فقط من موعد مقابلة مرتبة مسبقاً معه في مسرح الحمراء، صادف فريق «سوريا المتجددة» بلبل، طويل القامة نحيل البنية، يرفع لافتة مكتوبة بخط اليد أمام بوابات مجلس الشعب في شارع الصالحية. وكان قد كُتب عليها:
«أعضاء مجلس شعبنا الموقرين، حان الوقت لتكونوا مع الشعب لا عليه. يُفترض أن تكونوا صوتنا. الاثنين، 14/9/2026».
تجمّع حشدٌ صغيرٌ لمشاهدة المشهد، حيث كان بلبل يتنقل جيئةً وذهاباً بين البوابة والشارع، ويتفاعل مع حراس الأمن ورجل يرتدي بدلةً داخل المجمع. لم يبدُ على الرجل ذي البدلة -الذي يُفترض أنه رئيس قسم الأمن هناك- ولا على الحراس أيّ قلقٍ يُذكر إزاء هذا الاستعراض الفردي، الذي جرى صباح اليوم التالي لإعلان الحكومة الانتقالية السورية عن زياداتٍ كبيرةٍ في أسعار الوقود، ما أدى إلى اندلاع مظاهراتٍ في جميع أنحاء البلاد. حتى أنهم تبادلوا الابتسامات والمزاح. لقد كان أداءً واثقاً من ممثلٍ معتادٍ على خشبة المسرح، وله تاريخٌ طويلٌ في مزج المسرح بالسياسة.
بعد وقت قصير من الاحتجاج، أجرت مجلة «سوريا المتجددة» مقابلة مع بلبل في بهو مسرح الحمراء. إذ أعيد افتتاح المسرح رسمياً بعد أربعة أيام تلت ستة أشهر لترميمه.
كانت رحلة بلبل من تخرّجه من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق عام 1998 إلى منصب مدير المسارح والموسيقى في سوريا رحلةً طويلةً وشاقة. فبعد أن رسّخ مكانته كممثل ومخرج مسرحي في سوريا مطلع الألفية الثانية، وشارك في العديد من الجولات المسرحية الدولية طوال العقد، انخرط بلبل في العمل السياسي خلال الانتفاضة السورية عام 2011، حيث قاد هتافاتٍ تطالب بالحرية في جنازة فايز الساعور، الذي أفادت التقارير بمقتله ضرباً على يد قوات الأمن الأسدية عند نقطة تفتيش في تموز/ يوليو 2011. وفي عام 2012، أدرجه النظام على القائمة السوداء. وفي وقت لاحق من ذلك العام، قدّم عرضاً مسرحياً سرياً بعنوان «أحبها»، تناول فيه اندلاع الانتفاضة. إلا أن النظام عَلِم بالعرض وأوقفه.
يوضح بلبل: «بعد ذلك تعرضتُ لمضايقات وضغوط شديدة، لدرجة أنني وُضِعتُ رهن الإقامة الجبرية. وفي نهاية عام 2012 استدعاني النظام وأجهزة المخابرات، لكنني تمكنتُ من الفرار من سوريا حينها ولجأتُ إلى فرنسا. زوجتي فرنسية، ورُزقنا بمولود جديد».
بعد فراره إلى فرنسا، وجدت زوجة بلبل، المؤرِّخة، وظيفة في الأردن، فانتقلت العائلة مجدداً. في الأردن، أنتج بلبل ثلاث مسرحيات، اثنتان منها، كما يدّعي، أثارتا غضب جهاز المخابرات السعودي، ما أدى إلى إيقافهما. بعد أربع سنوات في الأردن، عاد بلبل إلى فرنسا، حيث بقي حتى سقوط نظام الأسد، وهذا ما أتاح له فرصة العودة إلى وطنه عام 2025.
ترميم الحمراء
يؤكد بلبل أهمية مسرح الحمراء قائلاً: «يُعدّ هذا المسرح من أقدم المسارح السورية وأعرقها، إذ يعود تاريخه إلى عام 1960، أي قبل وصول حزب البعث إلى السلطة. وكان هدفنا من الترميم إعادته إلى حالته التي كان عليها قبل هيمنة الحزب. لذلك أخرجنا البيانو القديم والمعدات الأصلية، وحتى ستارة المسرح الأصلية، وسنستخدمها مجدداً».
أول عرض مسرحي في الحمراء في شباط/ فبراير 1960 من إخراج رفيق الصبان كان «برلمان النساء»، وهي مسرحية كوميدية كتبها المسرحي اليوناني أريستوفان عام 391 قبل الميلاد. كانت قاعة الحمراء آنذاك دار سينما، استأجرها المسرح الوطني السوري قبل أن تستحوذ عليها وزارة الثقافة رسمياً بعد عدة سنوات. شهد المسرح السوري خلال السنوات الثلاث الفاصلة بين تأسيس المسرح الوطني السوري عام 1960 وانقلاب حزب البعث عام 1963 توجهاً عالمياً، حيث ركزت العروض بشكل كبير على الأعمال الغربية. ومن بين الأعمال الكلاسيكية الأخرى التي عُرضت خلال هذه الفترة (وإن لم تكن جميعها في الحمراء) مسرحية كامو «العادل» (إخراج الصبان)، والبرجوازي النبيل لموليير (إخراج نهاد قلعي)، والمفتش العام لغوغول ومروحة الليدي ويندرمير لأوسكار وايلد ومسرحية جورج برنارد شو رجل الأقدار (إخراج هاني إبراهيم منصور).
وصف بلبل المسرح قبل التجديد بأنه كان «غير صالح للبشر». وقبل أسبوع من المقابلة، جال فريق «سوريا المتجددة» في المسرح برفقة محمد جندية، الممثل والإداري في مديرية المسارح والموسيقى بالوزارة، الذي اضطلع بدور تنفيذي في عملية إعادة التأهيل. وقال جندية، مشيراً إلى طاولة تضم لوحات للتحكم بالصوت والإضاءة في غرفة التحكم: «جميع هذه المعدات جديدة». ثم أشار إلى مجموعة متشابكة من الكابلات والمقابس الكهربائية في الزاوية، وأضاف: «قبل التجديد، لم يكن هنا سوى هذا».
خضعت قاعة المسرح التي تتسع لـ485 مقعداً لعملية تجديد شاملة، فاستُبدلت مساند الأذرع الاصطناعية القديمة بمساند خشبية نُقشت عليها أشهر عبارة للمسرح: «نكون أو لا نكون». أُزيلت الغرف الواقعة خلف المسرح لمضاعفة مساحته، ما أتاح إقامة عروض مسرحية أكبر. كما تم تركيب إضاءة مسرحية جديدة، وبناء منحدر مُيسّر للوصول المباشر من الشارع، وأُعيد طلاء الجدران الداخلية لتتوافق مع التصميم الأصلي للمسرح. وأوضح جنديه: «عثرنا على صور قديمة للمسرح تعود إلى ما قبل عهد حزب البعث. وقمنا بمطابقة ألوان الطلاء من تلك الصور لإعادة المسرح إلى مظهره الأصلي».
ثم انتهى محمد جندية إلى غرفة تخزين صغيرة تقع بجوار الطابق السفلي المُجدّد مباشرةً أسفل غرفة التحكم. كانت الغرفة مكتظة بأدوات مسرحية قديمة مغبرة، ودراجة نارية قديمة. وقال: «تركنا هذه الغرفة كما وجدناها. وسنتركها على حالها كشاهد على إهمال المسرح قبل التحرير».
الدعم الخاص للمسرح العام
كما هو الحال في معظم المؤسسات الثقافية حول العالم، لعب الدعم الخيري دوراً هاماً في إعادة تطوير مسرح الحمراء. ووفقاً لبلبل، بلغت التكلفة الإجمالية 30 ألف دولار أمريكي. «تم إنجاز كل هذه التحسينات بفضل تبرعات رجال الأعمال والأصدقاء ومحبي المسرح. فالناس يتوقون لرؤية بلادهم تُعاد بناؤها. تبرع البعض بخمسين دولاراً، وآخرون بمئة دولار، وتبرع أحدهم بخمسة آلاف دولار، وآخر بستة آلاف دولار.» وكان أحد رجال الأعمال السوريين الذين تبرعوا لترميم المسرح حاضراً في الحمراء خلال زيارة فريق «سوريا المتجددة». وعندما سُئل عن علاقته بالمسرح، أجاب: «لا تربطني أي علاقة بالمسرح، لكنني أردت مساعدة بلبل».
يقول بلبل إن وزارة الثقافة أبلغته أنّ التمويل اللازم لإعادة التطوير سيكون متوفراً في العام التالي (2027)، لكنه أصرّ على إمكانية إنجاز العمل بتكلفة أقل بكثير من تقديرات الوزارة، وإمكانية البدء الفوري بفضل التبرعات الخيرية. كما أبدى بلبل رغبته في تجاوز البيروقراطية الحكومية واللجان الحكومية المسؤولة عن الموافقة على مختلف جوانب إعادة التطوير. وقد وافق وزير الثقافة، محمد ياسين صالح، في نهاية المطاف على مقترح بلبل. وقد كرّر بلبل هذه القصة علناً بعد خمسة أيام خلال حفل إعادة افتتاح الحمراء، بحضور الوزير بين الحضور.
يُصرّ بلبل على أن المتبرعين لمشروع إعادة التطوير وثقوا به لاستخدام دعمهم بنزاهة، وأن سجله كشخصية ثورية منذ عام 2011 يُعزز مصداقيته في هذا الصدد. كما يُصرّ على أن التبرعات كانت خيرية بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث كان المتبرعون حريصين على دعم الفن دون أي مقابل. إن الرغبة في التحرك بسرعة في مواجهة الروتين الحكومي أمرٌ مفهومٌ بلا شك؛ لكن تجاوز البيروقراطية العامة بهذه الطريقة قد يُثير تساؤلات حول الحوكمة.
والآن بعد اكتمال ترميم مسرح الحمراء، يركز بلبل وفريقه على ترميم مسرح القباني المجاور، وهناك طموحات للقيام بأعمال مماثلة في المسارح العامة في جميع أنحاء البلاد.
«المسرح للجميع» فلسفة توجيهية جديدة
عندما سُئِل بلبل عن رؤيته لمسرح الحمراء والمسرح العام بشكل عام في سوريا، كشف عن روح المساواة -ربما نتيجة لتأثيرات اللغة الفرنسية عليه-، وقال «عندما توليت منصب مدير المسارح والموسيقى لأول مرة، كان لدي شعار: مسرح للجميع. مسرح مملوك من قبل القطاع العام لخدمة الجميع. بدون رقابة. بعيداً عن الطائفية والعنصرية، وعن ازدراء الدين والمرأة».
ويتابع «شاركتُ في مهرجان أفينيون أربع مرات. رأيتُ كيف كان المسرح في أوروبا. أفينيون هي أكبر سوق للمسرح في العالم- نتحدث هنا عن 1800 مسرحية. قد تشاهد مسرحية لا تُعجبك، لكن سيُعجب بها غيرك. إنه مسرح للجميع. هذه هي الفكرة التي أودّ الترويج لها هنا: كيف نُقدّم المسرح لجميع الناس من جميع الطبقات، وليس للمثقفين فقط».
بالطبع، لا يروق المسرح للجميع حتى في أفضل الأوقات؛ ومع وجود سوريا الآن في أزمة اقتصادية عميقة وتقديرات الأمم المتحدة بأن 90% من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى نجاح بلبل في طموحه لجذب رواد المسرح من خارج النخبة الاجتماعية والاقتصادية.
سرد القصص السورية
يُعدّ سرد القصص السورية المميزة من أهم أولويات بلبل. فبعد 61 عاماً من حكم حزب البعث و54 عاماً من حكم عائلة الأسد، باتت الفرصة سانحةً لإنتاج عروض مسرحية حرة لا تخضع لتدخل الدولة أو الرقابة. وعندما سُئِل بلبل عن ذلك، بدا عليه الحماس. قال وهو يقلب صور هاتفه المحمول: «دعني أريك شيئاً. انظر إلى هذا الكنز». ثم رفع شاشة هاتفه ليُظهر صورة مقرّبة لملصق مكتوب بخط اليد على غلاف ملف، كُتب عليه: «نصوص ممنوعة من العرض: 2005- 2010». وأضاف بلبل: «وجدتُ هذا في صندوق في المخزن. بإذن الله، يُمكننا تنظيم مهرجان حول هذه الأعمال: مسرحيات مُنِعت من العرض».
فتح المسرح السوري للعالم، مع دعم المواهب المحلية
بينما يُولي بلبل أهمية قصوى لسرد القصص السورية، فإنه يُولي أيضاً اهتماماً كبيراً لفتح آفاق المسرح السوري أمام العالم. يقول: «كل ما نقوم به يهدف إلى التحضير لأول مهرجان مسرحي دولي سوري، والذي سنُقيمه العام المقبل، على الأرجح في شهر أيار/ مايو». وقد بدأت بالفعل الاستعدادات لهذا المهرجان، حيث يستفيد بلبل من علاقاته مع سفراء فرنسا وأوكرانيا وجمهورية التشيك واليابان. ومن المأمول أن تُتيح هذه المهرجانات والجولات المسرحية الدولية الأخرى فرصاً لتطوير القدرات المحلية.
ويقول: «ستجوب فرقة إنتاج فرنسية لمسرحية تارتوف لموليير سوريا. لقد دعوتهم للقيام بجولة بشرط واحد: أن يقيموا ورشة عمل مع الطلاب -الممثلين والفنيين- في المعهد العالي للفنون المسرحية.»
لا يقتصر شعار «المسرح للجميع» على الجمهور السوري فحسب، بل يشمل أيضاً الممثلين السوريين. يقول بلبل: «لقد أنشأنا لهم مسرحاً، مكاناً يليق بهم، حيث يمكنهم الجلوس وشرب القهوة والحديث والتواصل الاجتماعي».
هل هي حقبة جديدة للمسرح السوري؟
شهد حفل إعادة افتتاح مسرح الحمراء حضوراً لافتاً لممثلين ومخرجين مسرحيين سوريين معروفين، إلى جانب عدد من المتبرعين الذين موّلوا أعمال تطوير المسرح. كما حضر وزير المالية ووزير الاتصالات ووزير الثقافة، الصحفي السابق في قناة الجزيرة، الذي دُعي إلى المنصة في منتصف الفقرات الموسيقية والراقصة لإلقاء كلمة شدّد فيها على ضرورة الابتعاد عن تخوين الآخرين واتهامهم بالإرهاب، وتجنّب تأويل نياتهم. وأكد أن الأثر المستدام والبصمة الفنية ينبغي أن يسهما في تماسك المجتمع واجتماعه تحت سقف وطن واحد، يقوم على المحبة وتفهّم الآخر والتعايش. كان ذلك دفاعاً واعداً عن دور المسرح في المجال العام، ورداً قوياً على من يدينون الفن المتحدي.
والآن، بعد إعادة افتتاح مسرح الحمراء، لن يضطر السوريون إلى الانتظار طويلاً لرؤية مدى صمود تلك المبادئ عند اختبارها في المجال العام.