© syriaintransition.com

Cover image
الاقتصاد والمساعدات والإعمار

يوميات الاقتصاد في سوريا - أيلول/ سبتمبر 2026

عشرون لتراً في دمشق، ومليارات في دبي

ما أُعلن، وما وصل فعلياً إلى سائق حافلة صغيرة في القنيطرة، وتاجر وصراف في ريف دمشق، وعائلة عائدة من تركيا ترصده «يوميات الاقتصاد» أحوال الاقتصاد السوري كما يعيشه الناس، من إعلانات الحكومة وصفقاتها الضخمة إلى الأسعار والأجور والمعاملات على أرض الواقع.

الوقود: ارتفاع الأسعار، وتأخر الدعم

ملأ سائق الميكروباص خالد محمود خزان حافلته بعشرين لتراً من الديزل، ودفع 3500 ليرة جديدة (نحو 25 دولاراً أمريكياً وفق سعر الصرف السائد آنذاك، البالغ قرابة 138 ليرة للدولار). يبلغ خالد 64 عاماً، ويعمل سائقاً على أحد خطوط دمشق، ويأتي إليها يومياً من قرية في القنيطرة. ومثل معظم السائقين، لا يزال يحسب نفقاته اليومية بالليرة القديمة، التي حُذف منها صفران وتوقفت عن كونها عملة قانونية في آب/ أغسطس؛ لذلك لا يزال يقول إنه دفع 350 ألف ليرة. وفي مقابلة مع مجلة «سوريا المتجددة» قال: «أجمع المال طوال اليوم، لكن لا يكاد يصل منه شيء إلى بيتي أو عائلتي».

في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، قبل سقوط نظام الأسد، كان خالد يدفع ما يعادل 100 ليرة جديدة للتر الواحد. وفي 13 أيلول/ سبتمبر من هذا العام، رفعت الحكومة الجديدة سعر لتر الديزل العادي من 125 إلى 175 ليرة (1.27 دولار أمريكي)، ورفعت سعر البنزين أيضاً. وبعد أربعة أيام، إثر قطع متظاهرين الطرق في عدة محافظات، أعلن وزير الطاقة محمد البشير فئتين مخفّضتي السعر من الوقود: بسعر 115 ليرة (83 سنتاً) للتدفئة والزراعة والأسر المستحقة، وبسعر 150 ليرة (1.09 دولار) للنقل والشركات الأخرى. لكن أياً منهما لم يصل إلى المحطة التي يتعامل معها خالد. وأبلغته إحدى المحطات أن الوقود المدعوم قد يصل خلال شهرين، فيما لم تحدد الحكومة بعد الفئات المستحقة أو مقدار الدعم.

أما أجرة المواصلات، التي تحددها هيئة النقل، فقد ارتفعت من 30 إلى 50 ليرة (36 سنتاً)، ولا يستطيع خالد زيادتها رغم ارتفاع تكاليف الإطارات وزيت المحرك والصيانة. وتبلغ كلفة توصيل ابنه إلى المدرسة 400 ليرة (2.90 دولار) يومياً. كما يعاني صعوبة في توفير الفئات النقدية الصغيرة؛ إذ يقول إن ورقة الـ500 ليرة القديمة، التي طُبعت في عهد نظام الأسد، سُحبت من التداول، وبات استخدامها لتسديد المبالغ الصغيرة مرفوضاً على نطاق واسع، من دون طرح بديل عنها.

يُقلقه الشتاء أكثر. يستهلك تدفئة المنزل حوالي 15 لتراً من الديزل يومياً، أي ما يعادل 2625 ليرة (19 دولاراً) بالسعر المعتاد. ويبلغ سعر الحطب حوالي 30 ألف ليرة (217 دولاراً) للطن، وفوق هذا كله، فقدت الغابة المحمية خارج قريته أكثر من 100 دونم (10 هكتارات) من الأشجار بسبب جرافات الجيش الإسرائيلي في أكتوبر الماضي، وفقاً لمدير الزراعة في المحافظة. 

وقال: «كل ما أستطيع قوله لزوجتي هو أننا والأطفال يجب أن نرتدي أدفأ ملابسنا داخل المنزل».

وأدى ارتفاع الأسعار إلى اندلاع أوسع احتجاجات منذ سقوط الأسد. واستدعى أكثر من 50 عضواً في مجلس الشعب (البرلمان السوري) وزير الطاقة، فيما اجتمع الرئيس أحمد الشرع بمسؤولي قطاع الطاقة في 16 أيلول/ سبتمبر، عشية الإعلان عن الفئتين الأرخص. ومَثَل الوزير أمام المجلس في 20 أيلول/ سبتمبر، وعرض فاتورة الاستيراد. وتنتج سوريا نحو 112 ألف برميل من النفط يومياً، وتستورد 200 ألف برميل إضافية، بكلفة تقارب 831 مليون دولار شهرياً. وقال الوزير إن البلاد ستحقق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2028.

ثم اندلع حريق في خط أنابيب غاز قرب دير الزور، شرقي سوريا، مما أدى إلى انقطاع الغاز عن ثلاث محطات توليد كهرباء، من بينها محطة تشرين قرب دمشق، مساء يوم 28 أيلول/ سبتمبر. وألقت شركة النفط السورية باللوم على أعمال التخريب. وقام فرق الصيانة باستبدال جزء من الأنبوب بطول 18 متراً، وعاد الخط إلى الخدمة في 2 تشرين الأول/ أكتوبر. وقد شككت تقارير حديثة لموقع «سوريا على طول» في جودة أعمال الإصلاح في محطة الغاز المجاورة، وهي محطة الطابية.

القطاع المصرفي: رفع العقوبات، لكن الحواجز لا تزال قائمة

رفعت واشنطن آخر العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا كدولة في 25 أيلول/ سبتمبر. ولا تزال العقوبات سارية على أفراد، بمن فيهم المقربون من الأسد وتجار المخدرات والكبتاغون. وصرّح محافظ البنك المركزي، محمد صفوت رسلان، في أواخر أيلول/ سبتمبر، بأنه يتوقّع تدفّق أكثر من مليار دولار من رؤوس الأموال الأجنبية إلى البنوك الجديدة. وقد أبدت سبعة وفود من المنطقة اهتمامها، ويشترط أن يضم كل بنك جديد شريكاً من بنك أجنبي بحصة لا تقل عن 10%.

أنفقت الحكومة حوالي 3.7 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت إيراداتها 2.7 مليار دولار أمريكي، أي بفارق مليار دولار أمريكي. وقد وجّهت رئاسة الجمهورية الوزارات في 28 أيلول/ سبتمبر إلى ترشيد الإنفاق من خلال خفض النفقات غير الضرورية وتأجيل المشاريع الاستثمارية التي يمكن تأجيلها، مع الحفاظ على الرواتب والخدمات الأساسية.

قدّم بنك البركة السوري، وبنك قطر الوطني في سوريا، والبنك التجاري السوري المملوك للدولة، في 17 أيلول/ سبتمبر، أول قرض إسلامي مشترك في البلاد بضمانة حكومية، لتمويل مشروعين: نفق تحت وسط دمشق، ومنتجع سياحي على جبل قاسيون. وقال وزير المالية محمد برنيه: «لا يمكننا الاعتماد على الميزانية العامة لتمويل كل مشروع».

بحسب شركة سيما بارتنرز الاستشارية في دمشق، لا تمتلك البنوك السورية حسابات جارية لدى البنوك الأجنبية الكبرى، وهي الروابط اللازمة لإجراء المدفوعات في الخارج. ولا يستطيع المستوردون فتح اعتماد بشكل روتيني في سوريا، ويدفع السوريون في الخارج عادةً ما بين 5 و15 بالمئة لتحويل الأموال إلى بلادهم.

يبيع التاجر برهان مكونات كهربائية ومستلزمات إنارة في معرض على أطراف دمشق، ويستوردها من الصين ويدفع ثمنها بالدولار الأمريكي. ويقول إن رفع العقوبات لم يُحدث فرقاً بالنسبة إليه. إذ يتولى شريك له في الخارج تسوية فواتيره، بينما يرسل برهان نحو 30 ألف دولار شهرياً عبر مكاتب التحويل. وكان البنك المركزي قد أعاد ربط حسابه بشبكة «سويفت» في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، غير أن الشبكة لا تنقل سوى تعليمات الدفع؛ فتحويل الأموال يتطلب حسابات لدى بنوك أجنبية، وهو ما لا تزال البنوك السورية تفتقر إليه. لذلك، لا يزال برهان عاجزاً عن الدفع عبر حسابه المصرفي. وقال لموقع «سوريا المتجددة»: «أملي الأكبر هو تفعيل نظام سويفت في أسرع وقت ممكن»، حتى يتمكن من الدفع «مباشرة ورسمياً عبر حسابي المصرفي السوري».

محمد إبراهيم، 40 عاماً، يُبدّل العملات من مكتب صغير في ريف دمشق. في 29 سبتمبر، كان يشتري الدولار بسعر 137.5 جنيهاً جديداً ويبيعه بسعر 138.25، مرتفعاً من حوالي 135 قبل أسبوع. كان سعر الصرف الرسمي للبنك المركزي في ذلك اليوم 122، وهو سعر يقول إنه نادر الاستخدام. ويضيف أن الحوالات المالية تصل بالدولار، وتستلمها العائلات إما بالدولار أو بالليرة بسعر السوق.

يعمل مكتبه عبر تطبيق «شام كاش» للدفع الإلكتروني، الذي يفرض رسوماً بنسبة 0.3% على التحويلات، ويتولى صرف رواتب القطاع العام ورسوم الطلاب وفواتير الخدمات. وفي آب/ أغسطس، أفاد موقع «اقتصادي» بأن بعض المكاتب في دمشق ومدن أخرى ترفض صرف أرصدة «شام كاش» نقداً، أو تفرض رسوماً باهظة مقابل ذلك.

وقال محمد لموقع «سوريا المتجددة» إن شركات التحويل تأخذ حوالي اثنين بالمائة لدفع حوالة بقيمة 200 دولار من ألمانيا أو تركيا، وأن تسعة من كل عشرة من عملائه يحولون الأموال إلى ليرات في نفس اليوم، لشراء الطعام ودفع الإيجار وسداد الديون.

وأضاف: «على الرغم من الحديث عن رفع العقوبات، فإن حجم التحويلات المالية اليومية لا يزال ضمن المستويات الطبيعية».

الاستثمار: مليارات مقابل مطالبات بملكية الأراضي

في خضمّ استمرار الاحتجاجات على الوقود، صرّح الرئيس أحمد الشرع خلال قمة الإعلام العربي في دبي بتاريخ 15 أيلول/ سبتمبر، بأنّ الاقتصاد السوري نما من حوالي 20 مليار دولار بنهاية عام 2024 إلى 32 مليار دولار العام الماضي، وقد يصل إلى 50 مليار دولار هذا العام. ويتوقع صندوق النقد الدولي، الذي يرى أنّ نقص البيانات الاقتصادية السورية يحدّ من تقييمه، نمواً حقيقياً يتجاوز 10%. وقد روّج الشرع لميناء طرطوس كطريق تجاري بديل عن مضيق هرمز، وقد خصصت شركة موانئ دبي العالمية نحو 800 مليون دولار لهذا المشروع.

أما شركة التطوير الإماراتية «أرادَ»، فأبرمت بالتعاون مع الصندوق السيادي السوري، في نهاية آب/ أغسطس، أكبر صفقة عقارية منذ الحرب، بقيمة 7 مليارات دولار. ويغطي المشروع أربعة ملايين متر مربع غربي دمشق، ويشمل 11 ألف منزل وحديقة بمساحة 700 ألف متر مربع، على أن يُنجز خلال نحو عقد.

واجه مشروع سكني ضخم آخر مقاومة محلية. ففي 26 أيلول/ سبتمبر، اقتحم سكان مدينة قدسيا والبلدات المجاورة لها على الحافة الشمالية الغربية للعاصمة موقع مشروع «أبيات هيلز». ويقع هذا المشروع السعودي السوري، الذي يضم أكثر من ألفي منزل، على أرض يقولون إنها صودرت في عهد نظام الأسد. وقد أوقفوا الآلات ورفعوا لافتات كُتب عليها «هذه أرض مغتصبة».

أعلنت شركة أبيات العقارية السعودية أنها ستتخذ إجراءات قانونية بشأن التعدي على أراضيها، وأن بإمكان المُلّاك متابعة دعاويهم أمام المحاكم. وتحدث اثنان من مُلّاك الأراضي لوكالة سانا، منهم موفق عباس، الذي أفاد بأن نحو 50 دونماً (5 هكتارات) من أراضي عائلته قد صودرت، وأن السكان قدموا التماساً إلى وزارة الإسكان ووُعِدوا باتخاذ إجراءات. وقال أحمد اختيار، وهو مالك أرض آخر، إن عائلته تنتظر منذ ثمانينيات القرن الماضي دون أي تعويض.

بعد يومين من الاحتجاجات، في 28 أيلول/ سبتمبر، أعادت الهيئة العامة للإسكان فتح باب المطالبات بالتعويض بموجب القانون رقم 20 لسنة 1983، وهو قانون نزع الملكية الذي أصدره حافظ الأسد: تعويض نقدي بقيمة الأرض قبل استملاكها، أو مساحة في مبانٍ جديدة تعادل 10% من مساحة الأرض، بحد أقصى 6000 متر مربع. ولا يزال النزاع قائماً.

العائدون: مزيد من السوريين يعودون إلى ديارهم، والمساعدات لا تكفي

في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث وزير إدارة الطوارئ والكوارث رائد الصالح عن نقل النازحين من المخيمات. وقال لوكالة سانا: «هدفنا ليس إزالة المخيمات، بل إزالة الحاجة إليها».

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن أكثر من 1.38 مليون نازح غادروا المخيمات ومواقع النزوح الأخرى منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024. وقال خبير أممي في تموز/ يوليو إن نحو 5.5 مليون سوري ما زالوا نازحين داخل البلاد.

بدأت الخطوط الجوية السورية رحلاتها إلى فيينا وكوبنهاغن في 21 أيلول/ سبتمبر، بعد أمستردام في تموز/ يوليو وموسكو في آب/ أغسطس. وتُعدّ أعداد العائدين من أوروبا متواضعة. فقد أفاد مكتب الهجرة الألماني بأن برامج العودة الفيدرالية أعادت 2843 سورياً إلى ديارهم في النصف الأول من هذا العام. أما النمسا، التي قدمت للعائدين طوعاً ما يصل إلى 3000 يورو للفرد هذا الصيف، فقد أحصت ما يزيد قليلاً عن 640 مغادراً بنهاية تموز/ يوليو، وفقاً لوزارة الداخلية النمساوية.

قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 1,795,641 لاجئاً قد عادوا منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، معظمهم من تركيا ولبنان. وتوجه العدد الأكبر منهم إلى دمشق مقارنةً بأي محافظة أخرى. تدفع المفوضية 100 دولار أمريكي للفرد قبل المغادرة و600 دولار أمريكي للعائلة بعد الوصول. وقد وصلت المنحة المقدمة إلى ما يقارب 100,000 شخص هذا العام. وهناك نحو 70,000 عائلة مستحقة تنتظر، ولدى المفوضية تمويل لنحو 37,500 عائلة منها، وتؤكد أنها بحاجة إلى 20 مليون دولار أمريكي إضافية.

عاد محمد حيدر فتح الله من تركيا في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وهو عامل تركيب بلاط من مدينة تدمر، أحضر أسرته المكوّنة من خمسة أفراد في آذار/ مارس 2025 على نفقته الخاصة. وتلقى صديق له لاحقاً 100 دولار أمريكي على بطاقة مصرفية في تركيا، أنفقها في رحلة عودته من الحدود. كان منزل عائلته في تدمر قد دُمّر. وعندما وصل إلى دمشق، وجد الكهرباء مقطوعة والأرصفة محطمة، وكان بعض الجيران يخشون مغادرة منازلهم بسبب الاعتقالات التي شهدوها في ظل الحكومة السابقة. وكان يدفع 500 دولار شهرياً مقابل شقة في وسط دمشق، من النوع الذي كان يُستأجر بنحو 100 دولار قبل عودة اللاجئين، ثم انتقل إلى ضواحي المدينة حيث يدفع 175 دولاراً. ويكسب نحو 1500 ليرة يومياً، أي ما يعادل 11 دولاراً تقريباً. وقال لموقع «سوريا المتجددة»: «بصراحة، نشعر بأسف بالغ لقرارنا بالعودة». أما نصيحته للسوريين الذين ما زالوا في تركيا، فهي أن يبقوا حيث هم ويواصلوا أعمالهم هناك.

العودة إلى الأعلى

الاقتصاد والمساعدات والإعمار

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية