© syriaintransition.com

Cover image
الدبلوماسية

الشرع في مواجهة ماكغورك

الجمعية العامة للأمم المتحدة وثنائية الخير والشر

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاول بريت ماكغورك انتزاع تبرؤ علني من تنظيم القاعدة من أحمد الشرع، غير أن الشرع رفض وقلب الطاولة عليه. يكشف هذا اللقاء اختلافاً جوهرياً بين المؤسسة الأمريكية وسوريا في عهد الشرع؛ اختلافاً قد يتعذّر التوفيق بين طرفيه.

منذ خطاب النصر الذي ألقاه في الجامع الأموي في ديسمبر 2024، وصولاً إلى خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، اعتمد أحمد الشرع المنهجية الفكرية نفسها لتصوير الانتقال من عصر قديم إلى عهد جديد: من الظلام والظلم والاستبداد إلى النور والفجر والحرية والعدالة. وغدت الثيمات البلاغية المتكررة، وفي مقدمتها الصراع الأزلي بين «الخير» و«الشر»، ركيزة أساسية في خطابه؛ إذ يصوّر الشرع نفسه ثورياً مناضلاً وحامياً للخير، يقود نضالاً عادلاً، يتطلب القوة، ضد الشر، ولكن من دون «إراقة الدماء»، التي تُنسب حصراً إلى الطرف الآخر.

ماذا بعد انتصار الخير على الشر؟

في خطاباته الأولى عقب الإطاحة بالأسد مباشرة، وصف الشرع النظام السابق والقوات الدولية التي استقدمها إلى سوريا دعماً له بأنها تمثل «الشر»، مع إبقاء المصطلح غامضاً بما يكفي لتجنب الأسئلة المحرجة حول استمرار الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية. ويُصوّر نظام الأسد ككيان دخيل، أشبه بكائن غريب منفصل عن المجتمع. ولا يُقرّ الخطاب بأن النظام حَظِيَ، بدرجات متفاوتة، بتأييد شريحة كبيرة من السوريين أنفسهم، وهو ما يفسر تعقيد مسار العدالة الانتقالية. وبعد سقوط النظام، أصبح من الصعب تحديد المقصود بـ«الشر» حين يؤكد الشرع، كما فعل في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، أن الصراع بين الخير والشر ما زال مستمراً. فمن يمثل الخير اليوم؟ ومن هم الأشرار؟

ثمة وفرة، بلا شك، ممن يُوصَفون بـ«بقايا النظام»، فضلاً عن عناصر داعش وخلايا حزب الله المتفرقة التي تغذي آلة العداء. ويشير حكم الإعدام الصادر بحق مخبر سابق للنظام في أواخر آب/ أغسطس، بتهمة تسريب معلومات، إلى أن المطاردة قد تستمر إلى أجل غير مسمى؛ فقد تغلغل جهاز المخابرات في المجتمع السوري إلى حد يجعل مئات الآلاف من السوريين عرضة للملاحقة بتهمة التجسس على مواطنيهم. وتثير محاكمة المخبرين، بل والحكم عليهم بالإعدام، بالتزامن مع إعادة تأهيل بعض كبار شخصيات النظام وأنصاره، قلقاً بالغاً في المجتمع السوري، لا سيما أن القضاء لم يوضح معايير ثابتة لذلك. وعلى الصعيد الدولي، يصعب الحفاظ على هذه الثنائية العدائية. فحتى خصوم مثل إسرائيل وإيران لا يمكن تصنيفهم ببساطة بوصفهم «أشراراً»، في وقت تجري فيه حكومة الشرع، لأسباب مفهومة، محادثات مع إسرائيل، وقد اقترحت في أواخر أيلول/ سبتمبر إمكان إعادة بناء العلاقة مع إيران إذا تخلّت طهران عن سياساتها السابقة. إن الرؤية العدائية الشاملة مُدمَّرة بقدر ما هي واسعة الانتشار، وغالباً ما تقترن بنظريات مؤامرة محكمة النسج. وقد أتقن آل الأسد هذا الفن، كما اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بدرجات متفاوتة، سرديات عدائية لتبرير العنف المفرط. وتعد تداعيات هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وصوغ الولايات المتحدة ما سُمّي «محور الشر»، وإطلاق الحرب على الإرهاب، أمثلة بارزة على ذلك. وقد شهد الشرع بنفسه، في شبابه، ظلماً ارتُكب باسم العدالة حين شنت الولايات المتحدة حملة شرسة للانتقام لهجمات 11 سبتمبر عبر استهداف المسلمين العرب.

تكمن مأساة العداء في أنه يميل إلى استثارة عداء مماثل لدى ضحاياه، فينشئ حلقة مفرغة يصبح فيها الصراع بين الخير والشر أبدياً.

حقيقة مَن، وزيف مَن؟

شدّد الشرع على انتصار الحق على الباطل، مستشهداً بالآية القرآنية: [وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً]. ويُروى أنّ النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تلا هذه الآية عند فتح مكة، بينما كان يحطم الأصنام المحيطة بالكعبة. وكانت تلك لحظة تحرر للمجتمع الإسلامي الفتي بعد سنوات من الازدراء والاضطهاد على يد مشركي مكة. غير أن استحضار هذه الآية التقريرية اليوم لوصف حدث سياسي بالغ التعقيد -حرب أهلية تحولت إلى صراع دولي، أعقبها انتصار ثوري ومحاولات لبناء الدولة- يضع الوقائع ضمن إطار أخلاقي مطلق، ويصور المشهد بوصفه انتصاراً للحق على الباطل، رغم استمرار شياطين الماضي والتدخلات الأجنبية.

في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025، تعهد الشرع بأن تواصل سوريا اندماجها في المجتمع الدولي وأن تستعيد كرامتها. ولطالما كانت «الكرامة» كلمة محورية في الثورة السورية منذ انطلاقتها؛ فهي حاجة إنسانية أساسية للبقاء، وقد حرم نظام الأسد السوريين منها بصورة ممنهجة. ويبدو أن الكرامة تحتل مكانة بالغة الأهمية لدى الشرع، مما يعقّد صورته الشائعة بوصفه رجلاً براغماتياً بامتياز. فإحساسه بالظلم، ورغبته في مواجهته -وهما ما دفعاه شاباً إلى العراق لمقاتلة الاحتلال الأمريكي- لا يبدوان وقد تراجعا. وقد يضعه ذلك في خلاف دائم مع المؤسسة السياسية الأمريكية، التي تعاملت إلى حد بعيد مع الصدمة الوطنية لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر من خلال سردية عدائية خاصة بها.

قلب الطاولة

تأثرت أجيال من المسؤولين السياسيين والأمنيين بالحرب على الإرهاب، ويبدو أن كثيرين منهم يتوقون إلى رؤية الشرع نموذجاً مثيراً للاهتمام للخلاص بعد التوبة؛ نموذجاً يثبت، في نهاية المطاف، صواب الهيمنة الأمريكية. ومن أمثلة ذلك مقابلة الشرع مع ديفيد بترايوس العام الماضي، التي تناولها موقع «سوريا المتجددة». أما هذا العام، فكان الدور على بريت ماكغورك، أحد مهندسي الاستراتيجية المعيبة للتعامل مع سوريا، والتي اختزلت المشهد في مواجهة داعش. وخلال فعالية جانبية للمجلس الأطلسي في 22 أيلول/ سبتمبر، حاول ماكغورك استغلال المنصة لاستدراج الشرع إلى تبرؤ علني وصريح من تنظيم القاعدة. واستحضر ذكرى هجمات 11 أيلول/ سبتمبر ومبايعة الشرع السابقة لأيمن الظواهري، نائب بن لادن آنذاك. فأكد الشرع أنه لم تكن له أي صلة بها، لكنه رفض الوقوف في قفص الاعتراف الذي حاول ماكغورك وضعه فيه. ولاحقاً، حين طلب منه ماكغورك التزاماً بكشف مصير الصحفي الأمريكي المفقود أوستن تايس، استثمر الشرع المناسبة لتأكيد موقف ظل ثابتاً عليه بوضوح، وصرح بأنه التقى والدة تايس، ديبرا، ووصفها بأنها امرأة عظيمة، ثم عرّفها إلى والدته. فقدت والدته هي الأخرى ابنها سبع سنوات، هي المدة التي قضاها الشرع في الاحتجاز الأمريكي بالعراق، وكانت تظنه ميتاً. وأضاف أن عثورها عليه حياً في النهاية منح والدة تايس أملاً، وقدم القصتين صراحة بوصفهما متشابهتين.

كانت المقارنة دقيقة الدلالة. فقد وظّف الشرع قضية أوستن تايس، بما تحمله من حساسية وتأثير، لتذكير الجمهور الدولي بأن الولايات المتحدة نفسها احتجزت أشخاصاً سنوات من دون أن تعرف عائلاتهم مصيرهم. وعند اعتقال الشرع، كان ماكغورك يعمل في الحكومة الأمريكية، ومن مناصبه إدارة ملف العراق في مجلس الأمن القومي والعمل مساعداً خاصاً للرئيس جورج بوش الابن. ويكشف طرح هذه النقطة أمام جمهور أمريكي مدى مركزية استعادة الكرامة في فهم الشرع لمساره. قد يتسامح مع دبلوماسية الإطراء التي انتهجها ترامب، وربما يوظفها لمصلحته، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب قناعته الواضحة بأن طريق الجهاد الذي سلكه كان، من حيث المبدأ، رداً عادلاً على الظلم. وسيجد كثير من ضحايا التدخل الأمريكي وجاهة في هذه الحجة، بينما سيرى ضحايا القاعدة وغيرها من الجماعات التي ارتكبت جرائم باسم المقاومة الأمر على نحو مختلف تماماً.

على أي حال، فإن النظرة العدائية إلى العالم، التي تقسم الأمور إلى خير وشر، لا تلائم مساعي المصالحة ولا تساعد على تحقيقها. وينطبق ذلك على الساحة الدولية، حيث يُستبعد أن تستمر العلاقة الودية الحالية بين واشنطن ودمشق بعد انتهاء ولاية ترامب. كما ينطبق على الداخل السوري، حيث تمثل المصالحة المجتمعية شرطاً أساسياً لبناء دولة مستقرة. فالدستور وحده لا يضمن الحماية من الاستبداد؛ إذ كان لسوريا في عهد الأسد دستور أيضاً. والأهم هو مسار وضع الدستور نفسه: التفاوض على الحقوق، وحدود السلطة، والقواعد التي تُدار بها الخلافات السياسية، مع إخضاع هذا المسار لتدقيق مكثف. ومع ذلك، لم تشر أي من الحكومات التي تناولت سوريا في الجمعية العامة إلى عملية وضع الدستور.

العودة إلى الأعلى

الدبلوماسية

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية