© syriaintransition.com

Cover image
السياسة والسلطة

كن ثرياً أو مُت وأنت تحاول

تتبع الحكومة السورية سياسة اقتصادية مشكوك في أخلاقيتها، وهي سياسة بدأت تتعثر بالفعل

في عام ٢٠١٦، عندما فرض نظام الأسد حصاراً دموياً على بلدة تقع على بُعد ٤٥ كيلومتراً شمال غربي العاصمة، ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي وسم بعنوان «متضامن مع حصار مضايا». غير أن الصور المصاحبة للوسم أظهرت أشخاصاً أمام موائد فاخرة تضم الكباب والسمك المشوي والبطاطا المقلية والسلطة وأكواماً من الخبز. وفي الواقع، كان هؤلاء يتضامنون مع جيش الأسد وحزب الله، اللذَين أدارا الحصار. وكانت تلك حلقة أخرى في حرب أهلية بدا فيها بعض السوريين وكأنهم يستمتعون بمعاناة الآخرين.

قسوة ووحشية وانعدام للتعاطف: «هذه هي أخلاق مؤيدي الأسد!» صرخت المعارضة. وكان نقداً في محلّه، بالطبع. لكن بعد عقد من الزمن، تظهر قسوة مماثلة لدى بعض المعارضين الذين عبّروا عن غضبهم آنذاك، ثم أمسكوا بزمام السلطة. خذ مثلاً موسى العمر، المؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي المقرّب من الحكومة. ففي عام ٢٠١٦ غرّد غاضباً -وكان محقاً- بشأن حصار مضايا. أما في عام ٢٠٢٦، فعلّق على الارتفاع الهائل في أسعار الكهرباء بالقول إن عدادات مسبقة الدفع ستُركّب قريباً في ٦٫٥ ملايين منزل: إن كنت قادراً على تحمّل تكلفة الكهرباء فاشترها، وإن لم تستطع، فذلك حظك العاثر!

ثقافة الاستهلاك

أصبح هذا المليونير رمزاً لنمط من الرأسمالية النيوليبرالية الرائجة في سوريا. وينشر على مواقع التواصل الاجتماعي إعلانات لمشروعات سكنية فاخرة يتراوح سعر المتر المربع فيها بين ١١٠٠ و١٢٠٠ دولار. أما الشقة الصغيرة، فلا يقل سعرها عن ١٥٠ ألف دولار، من دون احتساب رسوم الخدمات؛ ومع ذلك وصف هذا المبلغ بأنه «معقول»، في وقت أجبر فيه ارتفاع أسعار الوقود كثيراً من السوريين على التخلي عن سياراتهم. وللمقارنة، يبلغ متوسط الراتب السنوي للمعلم في سوريا ٢٧٠٦ دولارات.

لنأخذ مثالاً آخر، وزير الأوقاف، محمد أبو الخير شكري، الذي حضر افتتاح مسجد في اللاذقية في موكب سيارات دفع رباعي أمريكية تستهلك كميات هائلة من الوقود، ثم جلس لتناول وليمة من المناسف، قُدّمت على صوانٍ ذهبية ثقيلة لدرجة أن كل صينية احتاجت إلى رجلين لحملها. ومثال آخر هو الافتتاح الأخير لمركز «فاشن جيت» التجاري الفاخر في دمشق، وهو حدث حضره ثلاثة وزراء على الأقل. قد يظن المرء أنهم مشغولون للغاية بارتفاع التضخم وأزمة غلاء المعيشة. وبعد أيام قليلة، قام الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه بزيارة غير رسمية إلى المركز التجاري ذاته.

ولن يستغرب من اطّلع على تجربة هيئة تحرير الشام في إدلب ما يراه الآن في دمشق: ثقافة استهلاك مفرطة تستلهم نموذج دبي. فقد قامت السياسة الاقتصادية لحكومة الإنقاذ على الاحتكارات ورسوم الاستيراد، وكان من أبرز منجزاتها إنشاء مراكز تجارية ومطاعم ومعارض سيارات ومجمعات سكنية مخصصة للأثرياء. صحيح أن هذه المشروعات وفرت فرص عمل لبعض الفقراء وشجعت السوريين على الاستثمار في بلادهم بدلاً من تركيا، لكنها رفعت الأسعار ووسّعت فجوة التفاوت الطبقي بدرجة كبيرة. لقد كانت تجربة في نظرية «تسرّب الثروة من أعلى إلى أسفل»، صُممت لجذب الأثرياء أو الطامحين إلى الثراء.

كان تبني الاقتصاد النيوليبرالي وسيلةً فعّالةً لإيصال رسالة مفادها أن الجماعة التي كانت تابعةً لتنظيم القاعدة قد «تجاوزت» هذه المرحلة. ويبدو أن الأيديولوجية السلفية الجهادية التي كانت تُوحّد الجماعة تتلاشى تدريجياً أمام دافع الربح. ووفقاً لمصادر مطلعة، يضم «صندوق بركة» آلافاً من أعضاء هيئة تحرير الشام كمساهمين، حيث تُتاح الأسهم حصرياً لأعضاء الجماعة، على الرغم من حلّ تلك الجماعة رسمياً. ومن أبرز استثمارات صندوق بركة شركة «طيبة للبترول»، أكبر مشغل لمحطات الوقود في سوريا، والتي تحتكر السوق تقريباً في بعض مناطق البلاد. ويعود صندوق بركة بدوره إلى شركة «نماء للاستثمار» القابضة، التي تُعلن على موقعها الإلكتروني عن أرباح مُوزّعة تُقارب 60 مليون دولار، وعائد استثمار بنسبة 224%.

الاعتراف بالحقائق

إن تبنّي سوريا رسمياً للاستهلاك التفاخري واقتصاد السوق الحر، في خضم أزمة اقتصادية، لا ينسجم مع الواقع العام للبلاد. وقد فاقم الإلغاء المفاجئ للدعم الحكومي وتآكل القوة الشرائية لليرة السورية التدهور الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية نتيجة الحرب وسوء الإدارة. وسيقول المدافعون عن النهج الحالي إن سوريا بحاجة إلى توجيه رسالة مفادها أنها جاهزة اقتصادياً لجذب مستثمري الخليج. وسيقولون أيضاً إن عليها تجاوز إرث اقتصادها الاشتراكي الموجّه بتبنّي علاج الصدمة الاقتصادية، حتى لو أدى ذلك إلى تنامي صور سلبية وغير لائقة للتفاوت بين الناس. وهذا رأي يمكن طرحه في أي بلد «طبيعي» يسعى إلى التنمية. لكن في بلد تفتقر حكومته إلى تفويض ديمقراطي واضح وبرنامج محدد للتعافي الاقتصادي، وتتساوى فيه تكلفة الاحتياجات الأساسية مع مثيلتها في تركيا، بينما يبلغ متوسط الدخل السنوي هناك نحو ثمانية أضعاف نظيره في سوريا، وحيث تتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية بفعل التوترات الأمنية والطائفية، فقد حان وقت إعادة التفكير.

ترتكز سياسة الحكومة على وعود بمليارات الدولارات من المساعدات والاستثمارات التي لم تتحقق بعد. ووفقاً لمصادر مطلعة، لم تقدم المملكة العربية السعودية -وهي من أبرز مصادر التمويل التي يُروَّج لها- سوى ٦٠ مليون دولار دعماً مباشراً للحكومة حتى الآن. ولا يزال مواطنوها ممنوعين من السفر إلى سوريا للسياحة إلا بإذن صريح من السلطات الأمنية. وقد صرّح وزير إدارة الطوارئ والكوارث، رائد الصالح، مؤخراً بأن المجتمع الدولي «خذل سوريا» طوال ١٤ عاماً، ولا يزال يفعل ذلك بامتناعه عن تقديم مساعدات لإعادة الإعمار. وهذا اعتراف جدير بالترحيب، ويُرجى أن يتحلى مزيد من المسؤولين بالشجاعة لمصارحة المواطنين باحتمال عدم نجاح نموذج إعادة الإعمار المتبع حتى الآن. وربما كان قرار الرئيس الشرع الصادر في ٢٨ سبتمبر/أيلول، والقاضي بخفض الإنفاق غير الضروري وفرض إجراءات تقشفية في جميع الدوائر الحكومية، مفيداً إعلامياً؛ لكنه في الوقت نفسه اعتراف بالحاجة إلى التغيير.

ابدأ بشعار جديد

بعيد الحرب العالمية الأولى، صاغ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج شعار «بلد يليق بالأبطال»، في إشارة إلى برنامج تنموي ضخم أراد تطبيقه. وقد ألهم هذا الشعار قانون الإسكان والتخطيط العمراني لعام 1919، الذي منح السلطات المحلية تمويلاً لبناء مئات الآلاف من المساكن العامة للطبقة العاملة. تحتاج سوريا إلى شعار مماثل ينقل التفاؤل بالمستقبل والمسؤولية تجاه المحتاجين. ولا شك أن ذلك سيتطلب سياسات حكومية واسعة النطاق للاقتراض والإنفاق لإعادة تنشيط الاقتصاد والشروع في إعادة بناء مساكن ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. فالمراكز التجارية الفاخرة والمجمعات السكنية المغلقة وحدها لن تكفي.

أما النهج الحالي، فيلخصه على نحو أدق عنوان ألبوم مغني الراب الأمريكي فيفتي سنت، الصادر عام ٢٠٠٣: «كن ثرياً أو مُت وأنت تحاول». وبالنسبة إلى ٩٠٪ من السوريين الذين يكافحون من أجل البقاء، فإن هذا النهج يجعل احتمال الموت أكبر بكثير من احتمال الثراء.

العودة إلى الأعلى

السياسة والسلطة

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية